قصة النبي إبراهيم + تفسير سورة إبراهيم (5 زائر)


الزمـردة

مَـن يكسِر غُصـني ، أقطع شجرتـه.
إنضم
27 يونيو 2016
رقم العضوية
6673
المشاركات
35,757
الحلول
1
مستوى التفاعل
41,138
النقاط
2,562
أوسمتــي
27
العمر
26
توناتي
2,340
الجنس
أنثى
LV
6
 
at_177170802420331.jpg







( قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ )
.

.
.
[الممتحنة:4].



at_177171072243641.png


🧡
معنى اسم ابراهيم
🩵 من هو النبي ابراهيم ( أصله ونسبه )
🧡صفاته
🩵 الدين الذي دعا إليه
🧡قصة نبوته
🩵 قصته مع قومة
🧡قصته مع النمرود
🩵 زواجه
🧡
قصة بناء الكعبة
🩵
زيارة ملك الموت للنبي إبراهيم / وفاته
🧡معجزاته
🩵 مقاطع
🧡تفسير سورة إبراهيم
🩵 التعريف بالسورة
🧡سبب التسمية
🩵 سبب نزولها
🧡المغزى من نزولها
🩵 الرسائل الكبرى في السورة
🧡احكام السورة
🩵 قراءات


at_177170991110681.jpg

 
التعديل الأخير:

الزمـردة

مَـن يكسِر غُصـني ، أقطع شجرتـه.
إنضم
27 يونيو 2016
رقم العضوية
6673
المشاركات
35,757
الحلول
1
مستوى التفاعل
41,138
النقاط
2,562
أوسمتــي
27
العمر
26
توناتي
2,340
الجنس
أنثى
LV
6
 
at_177170802420331.jpg




معنى اسم إبراهيم :

إبراهيم
هو اسم خليل الله النبي إبراهيم عليه السلام ، وهو اسم أصله عربي ومعناه : أبو الجمهور (أي الجماعة) ،
وابراهيم في الأصل هو مأخوذ من كلمة (أبرام) ومعناها الأب رفيع المقام ، أو الأب المكرم ، فهو بذلك ينفي أي اعتقاد البعض أنه اسم عبري الأصل ،
لأن أصل ابراهيم هي من مدينة (كوثى) وهي بالقرب من الكوفة ، ومع تغير اللهجات تم تبديل الاسم بعدد من الإشتقاقات مثل : إبراهام ، وأبرام ، وأبرهة..
وهناك اعتقاد على أن الأسم ذو أصل كردي وهو مشتق من الكلمتين المركبتين (بر) و(هام) ، فالأولى تعني أخ ، والثانية تعني الصخر ، فجمعت الكلمتان في اسم ابراهيم لتعطي معنى مركباً وهو (أخو الصخر) ،
ولعل المعنى الكردي أخذه الأكراد من صنعة أبيه وعمه ، وهي صنع التماثيل بنحت الصخر... كما قيل أنه اسم أعجمي يعود أصله إلى بلاد النهرين وهي موطن النبيِّ إبراهي معليه السلام.

at_177236619223021.png

هو نبي الله - سبحانه وتعالى - إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن غابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليهما السلام.
ولد عليه السلام في زمن النمرود بن كنعان وكان المنجمون قد أخبروه أن ثمة غلاما سيولد في سنة كذا وكذا يخالف دينك ويكسر آلهتك التي تعبد
فأمر بقتل كل ولد يولد منذ هذا التاريخ إلا أن أم إبراهيم عليه السلام لم يكشف عن حملها وخرجت به إلى مغارة وولدته فيها وخبأت أمره إلى أن شب قليلا،
فلما خرج بعد ذلك تفكر عليه السلام في الخلق وما عليه قومه وقال إنه لا بد لهذا العالم من خالق فلما رأى الكوكب وقد أفل والقمر البازغ وقد أفل والشمس بضيائها وكبر حجمها وقد أفلت قال لا أحب الآفلين، وعلم أن الهدى من الله سبحانه وبرئ من دين قومه.
وسمي النبي إبراهيم بأبي الأنبياء لأن الأنبياء الذين جاؤوا بعده من نسله. ما عدا لوط عليه السلام هو ابن أخيه كما هو مشهور.
أما باقي الأنبياء إسحاق وإسماعيل ويوسف ويعقوب وداوود وسليمان وأيوب وعيسى ويوشع وزكريا كلهم من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. يقول الله تبارك وتعالى:

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ)
الحديد 26


فذرية إبراهيم فيها النبوة. جعلها الله ولذلك قيل لإبراهيم أبو الأنبياء.
ولما عرج بالنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى السماء ووصل إلى السماء السادسة قيل له أو السابعة قيل له هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، إبراهيم هو أبو الانبياء
ودائماً تنسب إليه الأمور ولذلك اليهود والنصارى يقولون عن أنفسهم أنهم ابراهيميون فينتسبون إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
فرد عليهم الله تبارك وتعالى فقال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
آل عمران 67
فإبراهيم عليه الصلاة والسلام إذاً هو أبو الأنبياء

at_177236619230722.png

وصف الله سبحانه وتعالى النبي إبراهيم في سورة النحل في قوله : ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَالنحل 120
اذ كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أمة في نفسه، وفي بيته، وفي مجتمعه؛ أي: إن هناك صفاتٍ اتَّصف بها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في نفسه، وصفات اتَّصف بها في مجتمعه، وصفات اتَّصف بها مع أهل بيته، كل هذه الصفات أهَّلته لهذا الوصف الجامع من ربِّ العالمين.


معنى الأمة:

هو الإمام الذي يُقتدى به؛ قال عبدالله بن مسعود: الأمة مُعلِّم الخير، وقال ابن عمر: الأمة الذي يُعلِّم الناس دينَهم، وقال مجاهد: أي: أمة وحده.

ومن الصفات التي أهلت على النبي ابراهيم بالدليل من القرآن :

1- توحيد الله -تعالى- وعدم الإشراك به:


ومعنى توحيد الله عز وجل / الاعتقاد الجازم بأن الله ربُّ كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الذي يستحقُّ وحده أن يُفرَد بالعبادة؛ مِن صلاة، وصوم، ودعاء، ورجاء، وخوف، وذلٍّ، وخضوع، وأنه المتَّصف بصفات الكمال كلِّها، والمُنزَّه عن كل نقص.



وهذا التوحيد اتَّصف به نبي الله إبراهيموذكره الله عنه في أكثر من آية؛ قال تعالى:
﴿ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120]
فالقانت هو: الخاشع المُطيع، والحنيف هو: المُنحرِف قَصدًا من الشرك إلى التوحيد

ومِن ثمرات التوحيد أنه كان شاكِرًا لنعم الله عليه، ويظهر هذا المعنى أيضًا في قوله تعالى:
﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67
وهذا أيضًا يظهر في إفراده -صلى الله عليه وسلم- ربَّه في الدعاء، وخشوعه وخوفه منه - تبارك وتعالى - قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35
ففي هذا المقام احتجَّ على مُشركي العرب بأن البلد الحرام مكة إنما وُضعتْ أول ما وضعت لعبادة الله وحده لا شريك له، ثم دعا ربه تعالى لهذه البقعة بالأمن:
﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ﴾،
وقد استجاب الله له؛ فقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ﴾ [العنكبوت: 67].


وقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114
قال ابن مسعود: الأوَّاه هو الدَّعَّاء، وقال ابن جرير: قال رجل: يا رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: ((المُتضرِّع))، وفي آية أخرى قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ [هود: 75
فالحليم: الذي يحتمل أسباب الغضب فيَصبِر ويتأنَّى ولا يَثور، والأوَّاه: الذي يتضرَّع في الدُّعاء، والمنيب: الذي يعود سريعًا إلى ربه.
هكذا كان نبيُّ الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام موحِّدًا لله عز وجل فما أحوجَنا أن نعيش بهذا التوحيد فلا نشرك مع الله شيئًا! وذلك عن طريق:

• وجوب إخلاص المحبَّة لله؛
قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165
وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].


• وجوب إفراد الله تعالى في الدعاء والتوكُّل والرجاء؛
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 106
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[البقرة: 218].


• وجوب إفراد الله -تعالى- بالخوف منه؛ قال تعالى: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [النحل: 51
﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[يونس: 107].



• وجوب إفراد الله - عز وجل - بجميع أنواع العبادات البدنية؛ من صلاة، وركوع، وسجود، وصوم، وذبح، وطواف، وجميع العبادات القولية؛ مِن نذْر، واستِغفار؛
قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]؛
هكذا كان إبراهيم - عليه السلام - مُخلصًا العبادة لله، وهكذا يجب علينا أن نكون.



2- التمكُّن والاطمئنان واليقين في عبادته لربه:

ما أجمل أن يعيش الإنسان لفِكرة هي كل حياته، يُضحِّي في سبيلها بكلِّ غالٍ ونفيس! هكذا عاشَ خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام ويَظهر ذلك في كثير من الآيات؛
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260].

قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: إن لسؤال إبراهيم أسبابًا، منها: أنه لما قال لنمرود: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258]
أَحبَّ أن يترقَّى مِن علم اليقين إلى عَين اليَقين، وأن يرى ذلك مُشاهَدةً، فأما الحديث الذي رواه أبو هُريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم؛ إذ قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة: 260]))
فليس المراد هنا بالشكِّ ما قد يفهمه من لا علم عنده".


وقال صاحب الظلال: "لقد كان يَنشُد اطمِئنان الأنس إلى رؤية يد الله تعمل، واطمئنان التذوُّق للسرِّ المُحجَّب وهو يجلى ويتكشَّف،
ولقد كان الله يعلم إيمان عبده وخليله، ولكنه سؤال الكشف والبيان، والتعريف بهذا الشَّوق، وإعلانه، والتلطُّف من السيد الكريم الودود الرحيم مع عبده الحليم الأوَّاه المنيب".

وفي موضع آخر يقول الله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ﴾ [الأنعام: 81
وقبل ذلك يُواجِهُهم في طمأنينة ويقين؛ قال: ﴿ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ [الأنعام: 80
وقبله أيضًا قال الله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75].


3- الصدق، الوفاء، الكرم:

أما عن الصدق، فقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: 41
قال ابن كثير - رحمه الله -: كان صدِّيقًا نبيًّا مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام، قال صاحب الظلال: لفظة "صدِّيق" تحتمل أنه كثير الصِّدق، وأنه كثير التصديق، وكلتاهما تُناسِب شخصية إبراهيم.


أما عن الوفاء؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: 7
فالله - عز وجل - أخذ العهد والميثاق في إقامة الدِّين وإبلاغ الرسالة والتعاون والتناصر والإتقان،
فهل وفَّى الخليل بعهده مع ربه - تبارك وتعالى؟ نعم وفَّى، ووصفه ربه بأفضل الأوصاف؛ فقال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 37]؛ أي: بلغ جميع ما أُمر به.

وفي إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - عبرة، فهل وفَّينا بحقِّ الله علينا؟!

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الأعراف: 172 - 174].


فعلينا أن نقوم بحق الله علينا، ونحقِّق فينا صفات الخيرية التي وصَفنا الله بها في كتابه العزيز؛ قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، وقال أيضًا: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104].



أما عن صِفة الكرَم؛ فهي صفة من صفات إبراهيم عليه الصلاة والسلام واستمع إلى قول الله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ [هود: 69
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ[الذاريات: 26
أي: إنه قدَّم لهم عجلاً سمينًا مشويًّا على حجارة الرضف المُحماة، فهذا هو كرم أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهذا ما علَّمَنا إياه نبي الرحمن صلى الله عليه وسلم
ففي الحديث الذي رواه أبو هُريرة - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليُكرِم ضيفَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليَصِل رحمه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليَقلْ خيرًا أو لِيَصمُت))؛ متَّفَق عليه.

at_177236619232913.png


يقول الله تعالى :

( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) البقرة/135.

وقال سبحانه :

( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران/65-68.

وقال عز وجل :

( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران/95.

وقال تعالى :

( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) النساء/125.

ويقول جل شأنه :

( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام/78-79.

ومنها أيضا قوله تعالى :

( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/161-163.

وقوله تعالى :

( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل/121-123.

فمن تأمل في الآيات السابقات يدرك أن الحنيفية التي كان عليها سيدنا إبراهيم عليه السلام هي دين التوحيد والاستسلام لله عز وجل ، ونبذ الشرك والكفر وكل ما يعبد من دون الله ، وهذا هو دين الأنبياء جميعهم ، واعتقاد الرسل كلهم ، لم يختلفوا فيما بينهم إلا في الشرائع والأحكام ، أما الاعتقاد والإيمان بالله ، فقد كانوا كلهم على التوحيد .

يقول القرطبي رحمه الله :

" ( حَنِيفاً ) مائلاً عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم ؛ وهو في موضع نصب على الحال ؛ قاله الزجاج .

أي : بل نتبع ملّة إبراهيم في هذه الحالة .

وسُمِّيَ إبراهيم حنيفاً لأنه حَنِف إلى دين الله ، وهو الإسلام .

والحَنَف : المَيْل ؛ ومنه رِجْلٌ حَنْفاء ، ورَجُل أَحنف ، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها . قالت أمّ الأَحْنَف :

واللَّهِ لولا حَنَفٌ بِرجْلِه ... ما كان في فِتيانكم مِن مِثلِه


" الجامع لأحكام القرآن " (1/358).

ويقول العلامة السعدي رحمه الله :

" أي : مقبلا على الله ، معرضا عما سواه ، قائما بالتوحيد ، تاركا للشرك والتنديد ، فهذا الذي في اتباعه الهداية ، وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية " انتهى.

" تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/67)

ويقول العلامة ابن عاشور رحمه الله :

" المراد الميل في المذهب ، أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد ، وإنما كان هذا مدحا للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء ، فجاء دين إبراهيم مائلا عنهم ، فلقب بالحنيف ، ثم صار الحنيف لقب مدح بالغلبة . وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم " انتهى.

" التحرير والتنوير " (1/717)

ويقول أيضا رحمه الله :

" قوله : ( وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
أفاد الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام ، ولذلك بيَّنَ ( حنيفا ) بقوله : ( مسلما ) لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ، ولا يؤمنون بالإسلام ، فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية ، وقال :
(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
فنفي عن إبراهيم موافقة اليهودية ، وموافقة النصرانية ، وموافقة المشركين ، وإنه كان مسلما ، فثبتت موافقة الإسلام ، وقد تقدم في سورة البقرة في مواضع أن إبراهيم سأل أن يكون مسلما ، وأن الله أمره أن يكون مسلما ، وأنه كان حنيفا ، وأن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء به إبراهيم ،
( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وكل ذلك لا يُبقِي شكا في أن الإسلام هو إسلام إبراهيم .

فقد جاء إبراهيم بالتوحيد ، وأعلنه إعلانا لم يترك للشرك مسلكا إلى نفوس الغافلين ، وأقام هيكلا وهو الكعبة ، أول بيت وضع الناس ، وفرض حجه على الناس : ارتباطا بمغزاه ، وأعلن تمام العبودية لله تعالى بقوله :
( وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً) الأنعام/80،
وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال : ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً )
الأنعام/81،
وتطَلَّب الهدى بقوله : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ )
البقرة/128،
( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا )
البقرة/128،
وكسر الأصنام بيده (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً)
الأنبياء/58،
وأظهر الانقطاع لله بقوله : ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ )
الشعراء/78- 81،
وتصدى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله قال إبراهيم : ( فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ )
البقرة/258،
( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبراهيم عَلَى قَوْمِه ) الأنعام/83،ِ ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ )
الأنعام/80 " .

" التحرير والتنوير " (3/122-123)

ومما يؤكد أن معنى الحنيفية هو الإسلام آيات أخرى يأمر الله تعالى فيها جميع المسلمين بأن يوحدوه عز وجل ، ويفردوه بالعبادة ، ويكونوا حنفاء له مائلين عن الشرك إلى التوحيد ، وذلك في قوله جل وعلا :

( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ) يونس/104-106.

وقوله سبحانه :

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم/30.

ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما جاء بالملة الحنيفية :

عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ ) .

رواه أحمد في المسند (24334) ، وصححه الألباني في الصحيحة (1829) ، وحسنه محققو المسند .

وأخبر أن ذلك أحب الطرق إلى الله عز وجل :

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ : ( قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ . ) . رواه أحمد (2108) وصححه الألباني في الصحيحة (881) .

وبوب الإمام البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه :

( بَاب الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ ) .

وقد بقيت بقايا من دين إبراهيم عليه ، وصلت إلى العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت قلة من العرب يدينون ـ قبل البعثة ـ بالحنيفية ، دين إبراهيم عليه السلام .

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ ، فَقَالَ : إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ ، فَأَخْبِرْنِي ؟!

فَقَالَ : لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ !!

قَالَ زَيْدٌ : مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا ، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ !! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟

قَالَ : مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا .

قَالَ زَيْدٌ : وَمَا الْحَنِيفُ ؟

قَالَ : دِينُ إِبْرَاهِيمَ ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ .

فَخَرَجَ زَيْدٌ ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ : لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ !!

قَالَ : مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ ، وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا ، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ ؟! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟

قَالَ : مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا .

قَالَ : وَمَا الْحَنِيفُ ؟
قَالَ : دِينُ إِبْرَاهِيمَ ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ .
فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام خَرَجَ ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ !!

[ قال البخاري : ] وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ :

رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ : يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي .

وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا ، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا ؛ فَيَأْخُذُهَا ، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا : إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا .

رواه البخاري (3828) .
at_177236619235164.png

في عمر الثالثة عشر، كان نبي الله إبراهيم يستعجب كثيراً من عبادة أهله وقومه لآلهة مصنوعة من الحجارة، ولا تسمن ولا تغني من جوع،
وكان إبراهيم عليه السلام كلما اختلى بنفسه، كان يفكر، أين الله يا ترى. مرة وهو ينظر للسماء،
رأي كوكباً يلمع في السماء ليلاً، ليصيح إبراهيم عليه السلام، وجدت الله! وقد فرح لأنه وجد الله،
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
الأنعام ( 76 )
وظل يصلي له، ولكن في الصباح، نظر للسماء، فلم يجد الكوكب،
ليدرك بعدها أنه ليس الإله لأنه اختفى، وقد تكرر الموقف مع القمر، وعندما لم يجده صباحاً علم أنه ليس الإله،
وقد حزن إبراهيم عليه السلام.
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
الأنعام ( 77 )
هذا وقد تكرر الموقف مع الشمس، وقال هذا ربي، هذا أكبر وأحسن،
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
الأنعام ( 78 )
ولما بزغت أدرك بعدها إبراهيم عليه السلام أن الكواكب والقمر والشمس ليسوا بآلهة.
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأنعام ( 79 )
أدرك بعدها أن الإله لا يُرى، وبعدما وصل لتلك القناعة، جاء الوحي لنبي الله إبراهيم من جبريل عليه السلام، وقال له، أسلم،
فقال إبراهيم أسلمت لرب العالمين، وبذلك آمن إبراهيم عليه السلام برب العالمين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
البقرة ( 131 )






at_177236619240777.png

بعد أن نزل الوحي على إبراهيم عليه السلام، عاد ليدعوا قومه، وقد بدأ بوالده
وفي حواره اللين مع أبيه وحجته العقلية الدامغة مع قومه عباد الأصنام، كل ذلك قصه علينا القرآن الكريم بأسلوب رائع يأخذ الألباب،
ولم يغضب سيدنا إبراهيم ولم يتشنج في خطابه، لأنه يقف على أرضية صلبة ولقوة منطقه وقوة حجته وصدق براهينه،
ولأنه قدوة للدعاة من بعده، فينبغي أن تتعلموا هذا الأسلوب، ولأن خطاب الوالدين يجب أن يكون بأسلوب رقيق،
ولا يخفى عليك أن الله تعالى أوصى بهما في غير ما آية، وفرض برهما وطاعتهما في غير معصية:
( وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ) [العنكبوت: 8].

وقد حاور إبراهيم أباه بأدب ووقار، قال تعالى:
(وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا (41) إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا (42) يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا (43) يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا (44) يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا) [مريم:41-45].

فيرد عليه أبوه بتشنج وقسوة وتهديد:
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا) [مريم:46]. فيرد عليه إبراهيم بلين ورفق: (قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا) [مريم:47].

يرد على التهديد بالدعاء والاستغفار له رغم كفره وضلاله، وهذا ما ينبغي أن يتعلمه الأبناء ليعرفوا كيف يخاطبون آباءهم ولو أخطئوا في حقهم، وما ينبغي أن يتعلمه الدعاة إلى الله تعالى.
والخلاصة: أن إبراهيم لم يغضب لأنه يخاطب أباه، ولأنه أسوة للأجبال المؤمنة من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2 : حواره مع قومه

جادل القوم الكفار إبراهيم عليه السلام فيما يقوله وفيما توصّل إليه من الحق بشأن معبوداتهم الباطلة , لم يقنعهم قول الحق الذي قاله إبراهيم عليه السلام فقال لهم :
أتجادلونني في أمر الله الذي لا إله إلا هو , وقد بصّرني وهداني إلى الحق , فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة ,
وإنني لا أخاف من آلهتكم ولا أبالي بها ولا أقيم لها وزناً أبداً فان كانت حقاً آلهة وكان لها ضرر أو كيد فكيدوني بها ولا تمهلوني ,
فالذي ينفع ويضر هو الله وحده أفلا تعتبرون وتعقلون وتتذكرون ما بيّنته لكم لتعلموا أن هذه الأصنام باطلة فتبتعدوا عن عبادتها ,

﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ، أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
الأنبياء ( 66–67 )
كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونه من دون الله ولا تخافون أنتم من الله الذي أشركتم به .

فأي الطائفتين يا قوم أحق بالأمن والطمأنينة والنجاة من عذاب الله يوم القيامة . هل هو الفريق الذي يعبد أصناماً خرساء صمّاء لا تنفع ولا تضرّ , ولا تنطق ولا تعقل ,
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
الشعراء ( 69–73 )
أو من يعبد الله الذي بيده الضرر والنفع , وخالق كل هذه النعم , وكل هذا الكون بما فيه الكواكب والشمس والقمر والأحجار التي تعبدونها فهل تعقلون كل هذا ؟
إن كنتم تعقلوه فاعبدوا الله وحده لا شريك له واتركوا عبادة الأصنام .
أما الامنون المطمئنون فهم الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له , سبحانه عز وجلّ , إن هؤلاء المؤمنين هم الآمنون المهتدون في الدنيا .
عاد إبراهيم عليه السلام ليحاور قومه , عسى أن يعودوا عن عنادهم وكفرهم , وسألهم قائلاً : { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } الأنبياء 52.

فأجابوا على الفور :
{ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } الأنبياء 53.

أي أنهم يعبدونها تقليداً لأسلافهم وأجدادهم ، وحجتهم أمام إبراهيم هي تقليد آبائهم الذين ضلوا الطريق .
فقال لهم إبراهيم عليه السلام وعلى الفور وفي جرأة شديدة :
{ لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } الأنبياء 54.

عند ذلك اتهموا إبراهيم عليه السلام باللعب بالألفاظ وقالوا له :
{ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } . الأنبياء 55.

أي : أجئتنا بالجد في دعوتك ورسالتك ونسبتنا إلى الكفر والضلال , أم أنت من اللاعبين المازحين في كلامهم , إننا لم نسمع من قبل كلاماٍ كالذي تقوله يا إبراهيم .
فقال إبراهيم عليه السلام : لست بلاعب , بل أدعوكم إلى الله ربكم خالق السموات والأرض الذي خلقهن وأبدعهن إنه هو الذي يجب أن يعبد وليس هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع وأنا على ذلكم من الشاهدين , قوي الحجة , فهذه حجتي التي لا ينكرها أحد , وأنتم تحتجون بحجة باطلة وهي أنكم وجدتم آباءكم يعبدونها .
بعد انتهاء هذا الجدال بين إبراهيم عليه السلام وقومه أراد ابراهيم عليه السلام أن يلفت أنظارهم , فعزم على تكسير أصنامهم وتحطيمها , لقد أقسم إبراهيم قائلاً :
{ وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } الأنبياء 57.

وانتظر إبراهيم انصرافهم وخروجهم من عيدهم وتجمعهم , وحمل فأساً ومضى إلى حيث توجد الأصنام وجعل يحطم ويكسر الأصنام ,
حتى جعلها جميعاً قطعاً متناثرة هنا وهناك وأبقى على صنمهم الأكبر , أكبر صنم فيهم وعلّق في عنقه الفأس التي كسر بها بقيّة الأصنام ,
لعلهم يرجعون إلى الله ويتعظون بهذه الموعظة .

عاد الكفار إلى الأصنام وهالهم وروّعهم ما شاهدوه .. لقد كسرت أصنامهم جميعها وعلّق الفأس في عنق الصنم الأكبر فقالوا : من الظالم الذي فعل هذا بآلهتنا ؟ إنه جريء في ظلمه هذا .
كان بعض الناس من الكفار قد سمعوا إبراهيم عليه السلام ويقول :
{ لأكيدنّ أصنامكم }
فقالوا : سمعنا فتى يذكر أصناماً بمكروه منه اسمه إبراهيم .
فقرروا أن يشكّلوا له محكمة يحاكمونه فيها أمام حشد كبير من الناس وهذ ما يريده إبراهيم عليه السلام ,
حتى يبيّن لأكبر عدد من الناس وأمام أكبر عدد منهم أنهم جاهلون , وأغبياء عندما عبدوا هذه الأصنام التي لا تدفع عنهم الضرر ولا تدفع حتى عن نفسها الضرر ,
ولا تملك لنفسها نصراً عندما تتعرّض لسوء وهذا أمر ماثل وواضح أمامكم .
واحتشد الناس وجيء بإبراهيم أمام حشد هائل من الناس وطرح عليه السؤال :
{ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }
الأنبياء 62.
في لحظتها أدرك قومه ضلالهم، ولكن كبريائهم لم يسمح لهم بالاعتراف، بل أمروا بإحراق إبراهيم.
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
الأنبياء 68
فأمر ملك المدينة التي يسكنها إبراهيم وقومه بإحضار إبراهيم لإحراقه أمام أعين الناس، ولم يكف نبي الله عن مناجاة الله،
وجاء قولهم أو حكمهم في موضع آخر من الآيات الكريمة :
{ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين }
الصافات 97-98.
حتى أشعلوا النار، ووضعوه فيها، فنزل جبريل عليه السلام من السماء، وقال، يا إبراهيم، ألك حاجة؟ فقال نبي الله، أما إليك فلا،
فقال له جبريل، فسأل ربك، فقال إبراهيم، حسبي من سؤالي فعلمه بحالي،
وأمر الله أن تكون النار برداً وسلاماً على إبراهيم
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ
الأنبياء 69
فأطاعت النار أمر الله عز وجل، وكان إبراهيم عليها السلام يجلس بوسطها من دون أن يتألم أو يشعر بها، وظل سيدنا إبراهيم يشكر الله ويسبحه ويحمده ،
وقال: (اللهم إنك في السماء واحد , وأنا في الأرض واحد أعبدك .)ومكث إبراهيم في النار أربعين يوماً أو خمسين يوماً كانت أطيب عيشاً وأكثر برداً وسعادة .
ولم تحرق النار منه سوى وثاقه وحبله الذي ربطوه به فقط وكانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ,
خرج منها بمعجزة عظيمة منّ الله بها عليه , وأبت النار أن تحرق إلا الكفار , فإنها لا تحرق الأنبياء بأمر الله ,
وهذه معجزة من معجزات إبراهيم عليه السلام التي منّ الله بها عليه .
لاحظ قومه أن سيدنا إبراهيم حي وهو في النار، وقالوا أنه ساحر، وظل بعدها قوم إبراهيم يضايقونه ولم يطيعوه أبداً.




at_177236619242748.png





بعد أن فشل إبراهيم في إقناع والده،وقومه ذهب إلى الملك والذي يدعى النمرود، ويُقال إنه كان من ملوك بابل، وأنه ملك واسع السلطان، فاغتر بملكه وقوته، وادعى الألوهية. ومن مظاهر ذلك ما ورد في الحوار مع إبراهيم عليه السلام، حين قال: "أنا أحيي وأميت"، فكان يتلاعب بالأحكام على الناس ليُوهم أنه يملك الحياة والموت.
وقد أخبر إبراهيم عليه السلام النمرود أن التماثيل التي يعبدونها لا تضر ولا تنفع،
فرد عليه النمرود أن هذا ما وجدوا عليه تربوا عليه، وهو ما كان يفعله الآباء والأجداد، فرد إبراهيم عليه السلام أن ما كانوا يفعلونه هو ضلالٌ مبين،
فغضب قوم إبراهيم، وصاحوا به أنه يسخر بهم وبآلهتهم، فرد إبراهيم:
﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الأنبياء 56
ظل النمرود ينكر ما قاله نبي الله إبراهيم، بل وأدعى الألوهية، فقال له إبراهيم إن الله قادر على إماتة الناس وإحيائهم،
فقال النمرود، أنا قادر على إماتة الناس وإحيائهم، وأمر بإحضار رجلين من المدينة، فقتل أحدهم وترك الآخر حياً،
وقال لإبراهيم أرأيت، لقد أمت واحداً وأحييت الآخر! فرد إبراهيم للنمرود، أن الله قادر على شروق الشمس من المشرق، وغروبها من المغرب،
وقال للنمرود، إن كنت على حق فلتفعل ذلك، وبالطبع لم يستطع النمرود الرد على ذلك.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
البقرة 258
لما سَخِر النمرود وقومه من نبي الله إبراهيم، أهلكهم الله بإرسال جيوش من الذباب والبعوض والتي انتشرت سريعاً، وبدأت تأكل في لحومهم وتصيبهم بالمرض،
أما النمرود، فقد سلط الله عز وجل عليه ذبابة، دخلت بعوضة في أنفه،
وعذبته عذاباً شديداً لفترة طويلة حتى مات، وبذلك يحصل النمرود الذي ادعى الألوهية على ردٍ من الله، أنه غير قادر على إنقاذ نفسه من ذبابة.




at_177236619236865.png

بعد معجزة النار، أول من آمن بإبراهيم عليه السلام ابنة عمه سارة وكانت آية من الجمال، كما آمن به لوط وهو ابن أخيه، وكان الوحيد الذي آمن معه من الرجال.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۖ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
العنكبوت 26
وانطلقوا في رحلة طويلة للدعوة، بدأها من العراق، مروراً بأرض الكنعانيين “فلسطين” وبلاد الشام، وأخيراً مصر.
اذ يحكمها ملكٌ جبار كان يأخذ النساء الجميلات ظلمًا. وكانت سارة من أجمل النساء،
فخشي إبراهيم عليها، فقال لها: إن سألك هذا الملك عنك فقولي إنك أختي، أي أختي في الدين، وذلك دفعًا للشر، لا كذبًا صريحًا.
وقد أرسل الملك الطاغي جيشه، واقتحموا خيمة إبراهيم وخطفوا زوجته، وأخذوها للقصر ، وظلت تدعوا الله أن ينجيها منه، وأن ينزل الصبر عليها وعلى زوجها إبراهيم.
وعندما أُدخلت عليه، توجهت سارة إلى الله بالدعاء، مستعينة به، ومُظهرة صدق إيمانها، فحماها الله منه. فقد ورد في الروايات أن الملك حاول أن يمد يده إليها، فشُلّت يده أو أُصيب بعجزٍ شديد، فعلم أن هناك قوةً إلهية تمنعه.


فقال لها: ادعي الله أن يرفع عني هذا البلاء، ولكِ عهدٌ أن لا أؤذيك. فدعت الله فشُفي، لكنه عاد وحاول مرة أخرى، فحصل له مثل ذلك أو أشد، حتى أيقن أن هذه المرأة محفوظة من عند الله. عندها خاف منها وأمر الملك أن يعيدوا سارة إلى إبراهيم،
وقبل أن يأخذوها لإبراهيم عليه السلام، أمر الملك أن منح سارة هدية، لما رآه منها من أدب وحياء ومعجزة شفاء،
فأهداها أميرة ذات حسب ونسب وعز وجاه، وهي هاجر، فقالت سارة، أتعهد أمام ربي أن اتقي الله في هاجر وأن ارعاها بحب.
عادت سارة ومعها هاجر، وأصبحت هاجر خادمتها وعاشت معهم.

بينما كان نبي الله إبراهيم جالساً يتأمل ملكوت الله، خاطب الله أن يريه كيف يحيي الموتى،
فنزل جبريل وقال له أن الله يسألك، أولم تؤمن؟ فرد إبراهيم، بلى ولكن ليطمئن قلبي، فقال له أن الله يقول لك، خذ 4 من الطير وحدد له الطيور،
وهي الديك، و الطاووس، والحمامة، والغراب،
وطلب منه تقطيعها وخلطها في إناء، حتى اختطلت أعضاء جميعها، وأمره الوحي بوضع كل جزء من اللحم على جبل، ومن ثم أن يدعوهن فيأتينه سعياً،
وهنا حدقت معجزة نبي الله إبراهيم الثانية، حيث عادت الروح للطيور.

(وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
البقرة 260

ثم جاءت رسالة الله إلى لوط من إبراهيم، بذهابه إلى قوم سدوم، أما إبراهيم عليه السلام، فقد ذهب إلى بيت المقدس،
وهناك شعر بالوحدة، فدعا الله أن يهبه الذرية الصالحة، وسمعت سارة دعاءه، فحزنت وتألمت لعجزها عن تحقيق حلمه بالولد.
فقالت له : يا إبراهيم , إني عاقر , وأحب أن يرزقك الله بولد ولذلك فإنني سأهب لك جاريتي هاجر لكي تتزوّجها ,
فقد يرزقك الله بل ويرزقنا جميعاً منها ولداً تقرّ به أعيننا !! صمت إبراهيم قليلاً وحذر سارة من الغيرة إذا أتمّ هذا الأمر ,
فقالت سارة في ثقة واطمئنان تعودان إلى عاطفة وحنان متدفقين منها وهي أنثى شأنها شأن حواء على وجه الأرض ,
تحكم الأمور وتغلبها على الأرحج بعاطفتها , قالت : لا تخف يا إبراهيم , لا تخف .
تزوّج إبراهيم عليه السلام من هاجر التي وهبتها له سارة ومرّت أيام جميلة سعيدة فحملت هاجر وولدت لإبراهيم عليه السلام ولداً جميلاً وضيئاً سمّاه إسماعيل .
واستمرّت الأحوال في البيت النبوي الكبير هانئة سعيدة بوليدهم الصغير, فأبو الأنبياء سعيد غاية السعادة يشكر ربه ليل نهار ويسبّح بحمده على ما أفاء عليه من نعمة الولد وهو في هذا السن المتقدم .
لما أحست زوجة إبراهيم سارة بالغيرة، أمره الله أن يذهب بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى الحجاز، وأن يتركهم هناك
, كان ذلك على ما يبدو بوحي خفي , فكان يمشي طوال النهار ولا يستقر في مكان إلا اذا أحس بتعب واحتاج للراحة أو أحس بجوع أو عطش ,
ثم يستأنف المسير بهاجر وولده الطفل الصغير , وظلّ على هذه الحال إلى أن استقرّ به المقام بوادي مكة , ومكان ملتقى الطرق للقادم والذاهب من الشام إلى اليمن وبالعكس ,
وفي هذا الوادي أقام إبراهيم لأسرته الصغيرة الأم ووليدها خيمة , يأويان إليها إذا جنّ عليهما الليل ويضعان فيها ما معهما من زاد ومتاع .

التفتت هاجر يميناً ونظرت يساراً , وكان ما تراه لا يوحي بشيء مريح , فهو مكان مجدب مقفر , فلم تقع عيناها على زرع ولا ضرع , ولا ماء , ولا حتى بشر يؤنسون وحدتها .
ساد الصمت برهة من الزمن هاجر تنظر هنا وهناك , وقد أصابتها حيرة ودهشة , فكيف اختار إبراهيم هذا المكان المقفر الموحش مستقرّاً لإسرته , لا بد وأنه موحى إليه أو مأمور بذلك , وخطر ببالها أن تسأله حتى تجد تأكيد لخواطره وشكوكها , فرفعت رأسها وقالت في شغف : أأمرك ربك أن تتركنا هنا يا إبراهيم ؟!.

قال إبراهيم : نعم .

قالت هاجر المؤمنة بربها على الفور : إذن توكل على الله , فقد وكلتنا إلى من لايضيع عنده الرجاء .

وفي وداع يحمل هيبة الإيمان وجبروت المشاعر , ترك إبراهيم عليه السلام هاجر ووليدها الطفل الصغير إسماعيل ومضى وأحسب أن الدموع قد احتبست في حدقات هؤلاء البشر منها دموع طفل أنهكه السفر , وأقلقه أم ّ تضطرب أمام تجربة لم تعهدها من قبل .

ومضى إبراهيم منصرفاً عن زوجته وابنه , فلما صار على مرمى النظر منهما , رفع رأسه وابتهل في دعاء خاشع فقال :
{ ربنا إني أسكنت من ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون }
ابراهيم 37.
وكانت نظرة الوداع من إبراهيم بعد هذا الدعاء المبارك , الذي يعد دعاء الزمان, ومضى إبراهيم عليه السلام عائداً إلى بلاد الشام .
نفذ الماء والتمر الذي بحوزة هاجر، وبدأ يجوع رضيعها إسماعيل، وخافت على ابنها أن يموت من العطش،
وبدأت تنظر لأقرب جبل، وراحت تصعد للصفا، وتتجه يميناً وشمالاً، فلم ترى أحداً،
وراحت تنظر لأقرب جبل بجانب جبل الصفا، لتجد جبل المروة، فتهرول نحوه باحثة عن من يغيث، وظلت تسعى بين الصفا والمروة 7 أشواط، بحثاً عن ما ينجد ابنها.
سمعت هاجر صوتاً، فقالت، قد أسمعت إن كان عندك غواث أي إعانة، فإذا بالملك جبريل عند ابنها إسماعيل، فيضرب الأرض بجناحه، فينبع زمزم، فتفرح هاجر بالماء، وتقول زُمي زُمي، فشربت منه وابنها، حمدت الله ما أنعمها إياه.

وراق لإحدى قبائل العرب أن تنزل بجوار وادي مكة , وهي قبيلة جرهم , فاستأذنوا هاجر , فأذنت لهم , فوجدت إلى جوارها من تستأنس به , وتطمئن إلى جواره .
وعمرت مكة بهذه القبيلة وأصبح الوادي عامراً بالناس والابل والماشية والطيور , وتحققت دعوة إبراهيم عليه السلام عندما دعا لها وهو مغادر هذا الوادي قاصداً بلاد الشام وفلسطين التي تسكنها سارة

وفي بلاد الشام شعر إبراهيم عليه السلام بحنين لرؤية ابنه اسماعيل وزوجته هاجر ,
وجاء خليل الله إبراهيم ليرى ما فعل الله بوديعته , فوجد عمراناً وناساً وخياماً , وحياة تدب في كل مكان ,
حتى ظن أنه قد ضلّ عن وادي مكة الذي ترك فيه إسماعيل وهاجر بأمر ربه , فقد كان وادياً غير ذي زرع , حتى أنه سأل : أهذا وادي مكة , أهنا تسكن هاجر وإسماعيل ؟
عرف إبراهيم عليه السلام أنه وادي مكة .
ومضى خليل الرحمن يبحث عن خيمة هاجر وابنه اسماعيل بلهفة ما بعدها لهفة ,
وشوق ما بعده شوق , لقد كثرت الخيام وتعددت , ولكن خيمة هاجر شهيرة , معروفة لدى العامة في مكة . فأرشده الناس إليها .
نظر إبراهيم الخليل عليه السلام في وجه طفله المشرق , فسرّه سروراً كثيراً , وفرح به فرحاً وفرحت هاجر بلقاء زوجها وشكرا الله على ما أولاهما من نعم , وعلى ما حباهما من عطف .
وظلّ هذا حال إبراهيم عليه السلام يأتي إلى أسرته الصغيرة الجميلة بين الحين والحين لرؤية إسماعيل وأمه .

جاء إبراهيم عليه السلام 3 ضيوف، وقد انصدم أهل القرية من جمالهم، بل لم يروا أجمل منهم، وأبى ابراهيم عليهم السلام أن يضيفهم أحد غيره،
وجهز لهم الطعام بنفسه، ووضع أمامهم الطعام، فلم يأكلوا، فقال ألا تأكلون؟ قالوا له لا تخف إنا رسل ربك، أرسلنا إلى قوم لوط.

﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ (24) إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ (26) فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ (27) فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ﴾ (28)
الذاريات 25 - 28
بشر ضيوف إبراهيم بميلاد إسحاق عليه السلام، ومن ثم ولادة حفيد إبراهيم وهاجر يعقوب بحياتهم.

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (70) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (71) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ
هود 70 - 72

فتعجبت سيدتنا سارة، وقالت، أألد وأنا عجوز؟ فردت عليها الملائكة قائلة، أتعجبين من أمر الله!
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (73) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ
هود
أنجبت سارة ابنها اسحاق وقد تجاوزت التسعين من عمرها، وذهب إبراهيم عليه السلام إلى مكة ليطمئن على هاجر وإسماعيل عليه السلام.

ذهب إبراهيم عليه السلام عند هاجر وابنها إسماعيل، وكان إسماعيل في الرابعة عشر من عمره،
وفي الليل، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق وصدق.
فكّر إبراهيم في الأمر وتدبّر , وتراجع كل شيء إلا شيء واحد وهو الإيمان بالله , فهكذا أراه الله في المنام , وبهذه الرؤيا يكون الأمر بالتنفيذ من الله , ورؤيا الأنبياء حق , فلينفذ إبراهيم عليه السلام أمر ربه , فكله خير , فإذا كان التفكير يقتصر على إسماعيل الابن ومخاطبة قلب إبراهيم لنفسه , فإن هذا الأمر لا بد وأن يتراجع إلى الخلف .

أزاح إبراهيم كل هذا من تفكيره , وصوّب فكره لاتجاه واحد يقول : نفذ أمر حبيبك يا إبراهيم ..

كل ما فكر فيه إبراهيم عليه السلام , كيف يفاتح ابنه في الأمر وماذا يقول عنه إذا أرقده الأرض ليذبحه .
من الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهراً ويذبحه قهراً . وصل إبراهيم إلى هذه القناعة , لا بد أن يكون صريحاً وواضحاً مع ابنه .
جاء إبراهيم إلى هذه القناعة , لا بد أن يكون صريحاً وواضحاً مع ابنه. جاء إبراهيم إلى ابنه , فقال له : يا بنيّ خذ الحبل والسكين وانطلق بنا إلى هذه الهضبة لنجمع الحطب .
أطاع إسماعيل عليه السلام , وفعل ما أمره به أبوه , وتبعه إلى الهضبة التي أشار إليها والده ,
كان إسماعيل غلاماً مطيعاً لا يعصي أباه أبداً , مضى إلى هناك حيث أمره ووقف إبراهيم أمام ابنه إسماعيل عليهما السلام وقد أصبح الإثنان في خلوة لا يراهما أحد إلا الله سبحانه عز وجل , عندئذ قال إبراهيم لابنه إسماعيل :
{ يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى , قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } .
الصافات 102.

فلما تناول إبراهيم عليه السلام من إسماعيل الحبل ليوثقه والسكين في يده ليذبحه , قال إسماعيل له : يا أبتاه , إذا أردت أن ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيء من دمي فينقص أجري , إن الموت لشديد ,
ولا آمن أن أضطرب عند الذبح إذا أحسست مس السكين , واشحذ شفرتك حتى تجهز عليّ سريعاً , فإذا أنت أضجعتني لتذبحني ,
فاكببني على وجهي , ولا تضجعني لجنبي , فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تدركك رقة , فتحول بينك وبين تنفيذ أمر ربّك فيّ , وإن أردت أن تردّ قميصي على أمي فافعل , فعسى أن يكون هذا أسلى لها .
فقال إبراهيم : نعم العون أنت يا بني على أمر الله .
ثم شحذ إبراهيم شفرته , وأحكم وثاق ابنه , وكبّه على وجهه جاعلاً جبينه إلى الأرض متحاشياً النظر إلى وجهه ,
وبسمل واستشهد ثم همّ بذبحه , ولم يكد يسحب السكين على قفا ابنه ليذبحه , حتى سمع منادياً ينادي , ماذا يقول المنادي إذن ؟ إنه يبشر بالمعجزة الكبرى .
قال المنادي : يا إبراهيم ؛ قد صدقت الرؤيا , فافتد ابنك بذبح عظيم .. !!

نظر إبراهيم عليه السلام إلى حيث سمع المنادي , فوجد بجانبه كبشاً أبيض أعين أقرن , فعرف أن الله سبحانه عز وجل قد أرسل هذا الكبش فداء لابنه إسماعيل , وقيل إن هذا الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً وكان يرتفع في الجنة حتى تشقق , وكان له ثغاء , وقيل أنه الكبش الذي قرّبه هابيل ابن آدم فتقبّل منه.
أخلى إبراهيم ابنه من وثاقه , وهو يقبّله باكياً من شدة الفرح ويقول : يا بنيّ ؛ لقد وُهبت لي اليوم من جديد .ثم أوثق الكبش جيداً , وذبحه شاكراً ربه.


قصة بناء الكعبة


أمر الله إبراهيم ببناء البيت الحرام قال الله تعالى :
( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق .)
الحج : 26 - 27 .
وقال تعالى :
( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )
آل عمران : 96 - 97 .
وقال تعالى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم )
البقرة : 124 - 129

فسار إبراهيم إلى مكة ، فلما وصلها وجد إسماعيل يصلح نبلا له وراء زمزم ، فقال له : يا إسماعيل ، إن الله قد أمرني أن أبني له بيتا .
قال إسماعيل : فأطع ربك . فقال إبراهيم : قد أمرك أن تعينني على بنائه . قال : إذن أفعل . فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه ، وإسماعيل يناوله الحجارة .
ثم قال إبراهيم لإسماعيل : إيتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علما .
فناداه أبو قبيس : إن لك عندي وديعة ، وقيل : بل جبرائيل أخبره بالحجر الأسود ، فأخذه ووضعه موضعه ، وكانا كلما بنيا دعوا الله : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر ، وهو مقام إبراهيم ، فجعل يناوله ،
فلما فرغ من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج ، فقال إبراهيم : يا رب ، وما يبلغ صوتي ؟
قال : أذن وعلي البلاغ . فنادى : أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق ! فسمعه ما بين السماء والأرض وما من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء ،
فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة ، فأجيب لبيك لبيك !
ثم خرج بإسماعيل معه إلى التروية فنزل به منى ، ومن معه من المسلمين ، فصلى بهم الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء الآخرة ، ثم بات حتى أصبح ، فصلى بهم الفجر ،
ثم سار إلى عرفة ، فأقام بهم هناك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر ، والعصر ، ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام ، فوقف به على الأراك ،
فلما غربت الشمس دفع به ومن معه حتى أتى المزدلفة ، فجمع بها الصلاتين المغرب ، والعشاء الآخرة ، ثم بات بها ومن معه ،
حتى إذا طلع الفجر صلى الغداة ، ثم وقف على قزح حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ، ويعلمه كيف يصنع ، حتى رمى الجمرة ، وأراه المنحر ، ثم نحر وحلق ، وأراه كيف يطوف ، ثم عاد به إلى منى ليريه كيف رمي الجمار حتى فرغ من الحج .
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن جبرائيل هو الذي أرى إبراهيم كيف يحج ، ورواه عنه ابن عمر .

زيارة ملك الموت للنبي إبراهيم ووفاته


خرج سيدنا إبراهيم عليه السلام من بيته مرةً، ليتفقد الرعية، وقد كان يتتبعه رجل مسن، وهو ملك الموت، فرآه سيدنا إبراهم فذهب نحوه وسأله، من أين أنت؟
فرد عليه الشيخ، أنا عابر سبيل لست من هذه المدينة، فأخذه سيدنا إبراهيم من يده وتوجه به نحو بيته ليحسن ضيافته،
فلم رأته سيدتنا سارة، علمت على الفور أن هذا الرجل المسن هو ملك الموت، فراحت تبكي بكاءً شديداً. دخل سيدنا إسحاق على أمه سارة ورآها تبكي بحرقة، فبكى معها، ولما رأهم ملك الموت يبكون،
خرج من المنزل، وقد تدايق سيدنا إبراهم لأن ضيفه قد خرج بسبب زوجته وابنه، وعاتبهم على بكائهم الذي أدى لخروج الضيف من المنزل،
وقد خرج من المنزل متوجهاً إلى بيت صغير خصصه للعبادة، وتفاجأ أن الضيف يجلس في هذا البيت،
وقد استغرب خليل الله كثيراً، وقال للضيف، كيف تدخل بيتاً دون أن تستأذن! فقال الضيف: يا ابراهيم، إني ملك الموت.
طلب منه سيدنا إبراهيم دليلاً، فأخبره ملك الموت أن يدير وجهه عنه، وقام بذلك سيدنا إبراهم، وعاد ليتلفت إليه،
ليجده على هيئته التي يقبض فيها أرواح الأنبياء والصالحين، صورة جميلة ومريحة. أعاد ملك الموت طلبه بأن يدير إبراهيم وجهه عنه، وعندما أعاد سيدنا إبراهيم النظر إليه،
وجده على الهيئة التي يقبض فيها أرواح الكافرين والمنافقين، فأغمي عليه، ولما وجده ملك الموت على هذه الحالة، أنصرف عنه.

في اليوم التالي، خرج إبراهيم كعادته ليتفقد أحوال الرعية، فوجد شيخ كبير، فأخذه لبيت ليقوم بواجب الضيافة معه،
وقدم له إناء يحتوى على العنب، وقد لاحظ نبي الله إبراهيم أن الشيخ لكبر سنه لم يتمكن من مضغ العنب وتناوله من دون أن يلوث لحيته بماء العنب لصعوبة المضغ لديه،
وسأله إبراهيم عن عمره، فقال له عمري كذا، وقد كان نفس عمر سيدنا إبراهيم،
وعليه طلب سيدنا إبراهم من الله أن يقبض روحه، وأن لا يصل لهذه المرحلة من الهرم، وبذلك يكون سيدنا إبراهيم أول من يتمنى الموت.
بعد أن تمنى سيدنا إبراهيم الموت، ناداه ملك الموت، وسأله، يا إبراهيم، في أي حالة تحب أن أقبض روحك؟
فقال، أحب أن تقبض روحي، وأنا ساجد بين يدي الله، فسجد سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقبضت روحه الشريفة، لينتقل خليل الرحمن إلى جوار ربه بيستأنه به،
وقد اختلف العلماء في سن سيدنا إبراهيم، فمنهم من قال أنه عاش 175 سنة، ومنهم من قال أنه عاش 200 سنة.


at_177236619238756.png

النجاة من النار
إحياء الطيور
معجزة منبع زمزمز
كبش الفداء
بشارة الولد في الكبر
حفظ الله لزوجته سارة من الملك الظالم
بناء الكعبة المشرفة مع إسماعيل عليه السلام


مقاطع






at_177170991110681.jpg


 
التعديل الأخير:

Becky chan

catch me if you can mister Holmes
إنضم
3 مارس 2025
رقم العضوية
14650
المشاركات
600
مستوى التفاعل
5,947
النقاط
241
أوسمتــي
2
العمر
13
الإقامة
فوق رأس أميرة
توناتي
1,605
الجنس
أنثى
LV
0
 
at_177333452070641.jpg

at_177333458867272.png

سورة ابراهيم سورة مكية باستثناء الآيتين الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين اللتين نزلتا في المدينة المنورة على قول قتادة وابن عباس، إذ قيل: "وهي مكية كلها عند الجمهور . وعن قتادة إلا آيتي ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا إلى قوله وبئس القرار ، وقيل : إلى قوله : فإن مصيركم إلى النار . نزل ذلك في المشركين في قضية بدر ، وليس ذلك إلا توهما كما ستعرفه ." وهي السورة الرابعة عشر في الترتيب القرآني ( في المصاحف ) تسبقها سورة الرعد ( ترتيبها 13 ) وتليها سورة الحجر ( ترتيبها 15 ) تقع في الجزء الثالث عشر ( 13 )، وبالتحديد في الحزب السادس والعشرين ( 26 ) ، تمتد من ثمنه الرابع إلى الثامن (خمسة أثمان، وعلى ستة صفحات وأحد عشر سطرا ) . أما من حيث النزول فهي السبعون، نزلت بعد سورة الشورى وقبل سورة الأنبياء ( الأنبئاء في رواية ورش )، اختلف عدد آياتها حسب المصاحف ففي العد البصري واحد وخمسون آية، أما في العد الكوفي فاثنتان وخمسون، وفي المدني والمكي أربعة وخمسون، وخمس وخمسون في العد الشامي. عدد كلماتها ثمان مائة وواحد وثلاثون ( 831 ) اما عدد حروفها فثلاثة آلاف واربع مائة واربعة وثلاثون ( 3434 )
at_177333458861471.png

سميت سورة إبراهيم بهذا الاسم لورود ذكر قصة له فيها في سبع آيات، وقيل: "ووجه تسميتها بهذا وإن كان ذكر إبراهيم - عليه السلام - جرى في كثير من السور أنها من السور ذوات الر . وقد ميز بعضها عن بعض بالإضافة إلى أسماء الأنبياء - عليهم السلام - التي جاءت قصصهم فيها ، أو إلى مكان بعثة بعضهم وهي سورة الحجر ، ولذلك لم تضف سورة الرعد إلى مثل ذلك لأنها متميزة بفاتحتها بزيادة حرف ميم على ألف ولام وراء ."
فقد قال تعالى:
{ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (36) رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ (37) رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ (38) ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (39) رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ (40) رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (41) }
وليس لها اسم غير هذا - أي أنها ليست كالبقرة وآل عمران اللتين تسميان بالزهراوين -
at_177333458870133.png

ليس هناك سبب محدد لنزول السورة لأنها نزلت مفرقة، لذلك سنكتفي بذكر أسباب نزول بعض آياتها. آياتها الاولى تبين أنها نزلت لتظهر إعجاز القرآن الكريم، وأن وظيفته تنوير قلوب وعقول الناس وهدايتهم لسبيل الرشاد، كما أظهرت أن الله سبحانه وتعالى هو الحق وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث من عنده ليري الناس الطريق إلى الله جل في علاه.

نزلت الآيتان رقم 28 و 29 - وأضاف البعض 30 - حينما هزم المسلمون قريشا في معركة بدر، فقال تعالى في المشركين:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}
وقيل: " الأقرب أنه مثال لا سبب نزول "
at_177333458873374.png

في أغلب الأحيان يكون محور السور المكية أن العقيدة تكون عادة في أصولها الكبيرة من توحيد ورسالة وبعث وحساب وجزاء وركزت على حقيقتين هما:
- أن الرسالة والرسل لهم هدف واحد وهو مواجهة الباطل،
- وأن النعم التي أنعمها الله على الناس كثيرة، تزيد بالشكر لكن الناس رغم ذلك يجحدون بها
وقيل: "محور السوره هو الاقتداء بابي الانبياء في التوحيد والشكر"
وقيل: "محور السوره نعمه الايمان ونقمه الكفر. لذلك نجد أن السورة عبارة عن مقابلة مستمرة بين اهل الايمان واهل الكفر.و بين الحق والباطل وهذا واضح من بدايتها {الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ }"
وقيل: "ركزت السوره على حقيقتين رئيسيتين تظللانها أكثر من غيرها
الحقيقة الأولى:
هي وحدة الرسالة والرسل ، ووحدة دعوتهم ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الفرق المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمنة .

والحقيقة الثانية:
هي بيان نعمة الله على البشر وزيادة النعمة بالشكر ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران."

at_177333458877415.png

- ابتداء السورة الكريمة ببيان وظيفة الرسول، وهدف القرآن، معالم التوحيد، وجوب شكر الإله جل وعلا على نعمه، وكذا التحذير من تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة
{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}
- وكذلك الامتنان بأن جعل سبحانه هذا الكتاب عربيا وتمجيده تعالى. وضرب له مثلاً برسالة موسى الذي أرسل بما أرسل به محمد ولنفس الهدف. ثم بيان وظيفة الرسل عامة { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
- يليه الوعد الرباني لكل من يشكر بالدوام والزيادة، ولمن يكفر بالزوال والعذاب.
{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }
- ثم جاء بنماذج من حوارات الأنبياء مع رسلهم .
{ ۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) }
- وبيان خسارة الذين كفروا برسالة رسلهم في الدنيا
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ }
- وفي الآخرة
{ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ (16) يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ }
- ثم يشبه أعمال الكفار الطالحة بالرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء .
{ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ }
- ثم يعرض سبحانه وتعالى مظاهر لقدرته ونعمه على الناس من ماء ورزق ... والأدلة على وحدانيته بشكل تفصيلي.
{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) }
- ثم جاء بعرض نموذجين :
*النموذج الأول للنبي الخليل إبراهيم عليه السلام
- كان شاكرا لنعم الله
{ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}
-و كان يعمل أعمالا صالحة شكرا لخالقه
{ رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ }
- وكان محبا للمؤمنين حتى أنه سماهم بالمسلمين
{ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ }
*أما النموذج الثاني فهو نموذج لأشخاص عاشوا بعيداً عن سبيل الله المستقيم وظلموا أنفسهم ومجتمعاتهم وكفروا بالنعمة وجحدوا بها، فكانت نقمة عليهم يوم القيامة .
قال سبحانه وتعالى: { وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ }

وقيل: "ومن الإعجاز أن تُخْتَمُ السُّورَة بالدَّعوةِ إِلَى التَّوحيدِ كما فتحت بالدَّعوةِ إِلَى التَّوحيدِ
ليَلْتَقِي المَطْلَعُ وَالْخِتَامِ عَلَى مِحْوَرِ السُّورَةِ وهو التَّوحيدِ .

{ هذا بلاغٌ للناس وليُنذَروا به وليعلموا أنما هو إلهٌ واحد }"

at_177333458882546.png

- أكدت الآيات على وجوب شكر الله تعالى على نعمه وأن ذلك سبب زيادة النعم، بينما أوضحت أن الجحود لن يورث صاحبه إلا العذاب الشديد { وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ }
- شرعت السورة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصدقات، خفية وعلانية إذ قال سبحانه وتعالى { قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً }
- حثت السورة الكريمة على توحيد الله عز وجل، فنقلت دعاء النبي إبراهيم عليه السلام باجتناب عبادة الأصنام { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ }
- تضمنت السورة نموذجا لدعاء الصالحين، إذ أن أدعيتهم لا تكون بطول العمر أو سيارة فاخرة، بل بالأمن والصلاح والصلاة وغيرها، قال تعالى { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي }
- كما ذكرت السورة أمثالا للأمم السابقة وبينت سبب هلاكها وهو تكذيب رسلها والكفر برسالاتهمن قال تعالى { أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ }

at_177333458886077.png

بصوت الشيخ سعد الغامدي
بصوت القارئ إسلام صبحي
بصوت القارئ بلال دربالي
بصوت الشيخ أحمد العجمي

at_177333452076752.jpg
 
التعديل الأخير:

الزمـردة

مَـن يكسِر غُصـني ، أقطع شجرتـه.
إنضم
27 يونيو 2016
رقم العضوية
6673
المشاركات
35,757
الحلول
1
مستوى التفاعل
41,138
النقاط
2,562
أوسمتــي
27
العمر
26
توناتي
2,340
الجنس
أنثى
LV
6
 

at_177170802420331.jpg




نج1 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نج1
كيفكم ايها الشعب التوني العظيم
كان بودنا انو ينزل هالموضوع في وقت ما برمضان ، حتى تستمتعو بقراءته وتعيشو الجو معاه
ولكن للأسف مشاغل الدنيا والظروف كان لها رأي ثاني
ومنه بنقولكم تقبل الله صيامكم وقيامكم وصالح اعمالكم ، وبما انو باقي يوم واحد على العيد
خلينا نهنيكم مرة وحدة بقدومه ونقولكم عيد مبارك وكل عام وأنتو بخير 🩵
هو صح الموضوع نزل متأخر ، بس بحسه برضو نزل في وقته المناسب لأننا كلنا عارفين كيف عشية العيد تكون مملة ف ياريت تقضوها بقراءة موضوعنا انا وحفيدتي
@Becky chan
واللي كان مشاركتنا فمسابقة العم هيرو @MR.HERO الرمضانية

استمتعو 🧡



at_177170991110681.jpg

 
التعديل الأخير:

المتواجدون في هذا الموضوع

المواضيع المتشابهة

أعلى أسفل