هذه الآية جاءت عقِب قوله -تبارك وتعالى- في ذكر قول الراسخين في العلم:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7]،
يعني: المُتشابه، وكذلك يؤمنون بالمُحكم من باب أولى:
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، يعني: المُحكم والمُتشابه،
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ، فهذا يحتمل ختم الآية وهو قوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ أنه من جملة قول الراسخين في العلم، من تمام كلامهم،
من بقية قولهم أنهم قالوا:
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7]،
وأن من جملة قولهم:
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8]، يعني: أن هذا من جملة كلام الراسخين.
(أ.د خالد بن عثمان السبت)
قوله تعالى (
ربنا لا تزغ قلوبنا ) أي ويقول الراسخون : ربنا لا تزغ قلوبنا أي لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ
(
بعد إذ هديتنا ) وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك
(
وهب لنا من لدنك ) أعطنا من عندك (
رحمة ) توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى ،
وقال الضحاك : تجاوزا ومغفرة (
إنك أنت الوهاب )أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي ،
أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ ، أنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن القاسم القرشي يعرف بابن الرواس الكبير بدمشق ،
أنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ، أنا صدقة ، أنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر ،
حدثني بشر بن عبيد الله قال : سمعت أبا إدريس الخولاني يقول : حدثني النواس بن سمعان الكلابي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه "
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين إلى يوم القيامة " .
في الدعاء دلالة على أن القلوب لها أحوال من الزيغ والهدى بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ثم حاجة العبد إلى تثبيت الله عز و جل له أن يحفظ عليه قلبه وإيمانه،
ولهذا كان النبي ﷺ كثيرًا ما يقول في سجوده:
يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، وهو أعلم الخلق بالله، وأتقى الأمة لله،
وأعظم الأمة إيمانًا يُكثر أن يقول مثل هذا،
فهل نحن كذلك نُكثر الدعاء في سجودنا وفي غير السجود نتحرى أوقات الإجابة يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ثبت قلبي على طاعتك،
حينما يكون الإنسان خائفًا على قلبه ، لأنه يعلم أن الإيمان في القلب وكذلك أيضًا في الجوارح،
ويكون أيضًا باللسان لكن التصديق الانقيادي والإقرار والإذعان كل ذلك يكون في القلب.
تزغ قلوبنا : تجعلها تنحرف عن الحق
من لدنك : من عندك
روى الطبري فقال: إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان، لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟)، قالوا: بلى! قال: (ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟) قالوا: بلى! قال: (ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه، ويحفظه، ويرزقه؟)، قالوا: بلى! قال: (فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟) قالوا: لا! قال: (أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟)، قالوا: بلى! قال: (فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما عُلِّمَ؟)، قالوا: لا! قال: (فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟)، قالوا: بلى! قال: (ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يُحْدِث الحدث؟)، قالوا: بلى! قال: (ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِيَ كما يُغْذَى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويُحْدِث الحدث؟)، قالوا: بلى! قال: (فكيف يكون هذا كما زعمتم؟) قال الراوي: فعرفوا، ثم أبوا إلا جحوداً، فأنزل الله عز وجل: {الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (آل عمران:1-2).
في كل حين طلبا لرحمة الله و الثبات على الدين
جاءت الآية كبيان و تفصيل لصفات المتقين الذين ذكرهم الله في الآية 15 من سورة آل عمران .
الدعاء هو ما يدعو به المتقون ممن لهم جنات تجري من تختها الأنهار في حنة الخلد .
يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل ، فقال تعالى : {
الذين يقولون ربنا إننا آمنا } أي: بك وبكتابك وبرسولك
{
فاغفر لنا ذنوبنا } أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك {
وقنا عذاب النار }
(
تفسير ابن كثير)
في الدعاء استعمال للمضارع فكأنما دليل بأنهم يجددون التوبة إلى الله دائما لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم،
وإحساسهم بأنهم مهما قدموا من طاعات فهي قليلة بجانب فضل الله عليهم،
ولذلك فهم يلتمسون منه الستر والغفران، والوقاية من النار، وهذا شأن الأخيار من الناس ، و ما علينا الاقتداء به .
كما جاء النداء باسم الرب -تبارك وتعالى- في قوله:
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا وهذا هو الغالب في القرآن في دعاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-،
وأهل الإيمان، فإنهم يدعون بهذا الاسم الكريم (الرب) ،
لأن من معاني الربوبية -كما ذكرنا-: العطاء، والمنع، والغفر، والجزاء، وإدخال الجنة، والثواب والرزق، والإحياء والإماتة،
فكل المطالب إنما تُطلب بهذا الاسم الكريم؛ لأن من ربوبيته -تبارك وتعالى- أن يرزق ويُعطي ويمنع، ويُجيب السائلين، ويُعطيهم سؤلهم .
ثم ذكر الله تعالى لهم أوصافًا كاملة، مفصلة، مرتبة ومُتدرجة،
فذكر الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ، حتى يكون لنا أن نقتدي .
قنا : اصرف عنا
في كل حين طلبا للمغفرة و الوقاية من النار
مَّا رَأَى زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، طَمِعَ حِينَئِذٍ فِي الْوَلَدِ،
وَ إنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ضَعُفَ و وَهَن مِنْهُ الْعَظْمُ، وَاشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ مَعَ ذَلِكَ كَبِيرَةً وَعَاقِرًا،
لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ
سَأَلَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ نِدَاءً خَفيا
دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فَدَخْلَ الْمِحْرَابَ وَ نَاجَاه قَالَ
رَبِّ : أَيْ يَا رَبِّ ،
هَبْ لِي : أَعْطِنِي ،
مِنْ لَدُنْكَ : أَيْ مِنْ عِنْدِكَ ،
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً : أَيْ وَلَدًا مُبَارَكًا تَقِيًّا صَالِحًا رَضِيًّا، وَالذُّرِّيَّةُ تَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا ذَكَرًا وَأُنْثَى،
وَهُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا " (5 -مَرْيَمَ)
وَإِنَّمَا قَالَ: طَيِّبَةً لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ أَيْ سَامِعُهُ و مجيبه .
(
تفسير السعدي)
سأل ربه مع أن الحال يتعذر معها في مجاري العادات إنجاب الولد هو كبير في السن،
وكذلك امرأته على كبر سنها عاقر لا تلد، والعاقر لا تُنجب ولو كانت شابة فكيف مع كبر السن،
فاجتمعت هذه الأسباب الثلاثة كبر السن في حق زوجها، وكبر السن بالنسبة إليها، وكذلك العُقم.
لكن الله -تبارك وتعالى- لا يُعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير، فالذي خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم،
وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، فهذه صنوف ثلاثة وصور وحالات لا شك أنها دالة على كمال القدرة،
وخلق باقي الخلق من أبوين، فالذي صرف هذا التصريف في الخلق ونوعه قادر على أن يهبه الولد من غير وجود المحل القابل.
وقوله:
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ يدل على الاعتبار أن يعتبر الإنسان بكل ما ينتفع به من مسموع ومشاهد،
ينتفع بما يرى من آيات الله تعالى الكونية والآيات النفسية والآيات المتلوة، فلما رأى هذه الآية وهي أمر خارق للعادة،
وجد عندها رزقًا، عند ذلك تطلعت نفسه إلى ألطاف الله عز و جل وهباته
في هذا الدعاء أيضا نرى دعاءه الله باسم الربوبية و لنا أن نستذكر ما تعلمناه عن معانيه سابقا ( الدعاء السابق ) ،
ثم نلاحظ قوله هب لي ، و ذلك لأنه يطلب شيئًا في العادة لا يكون، وليس هذا من الاعتداء في الدعاء،
لأنه لو كان من الاعتداء في الدعاء ما دعا به،
ومعلوم أن من أنواع الاعتداء في الدعاء أن يسأل الإنسان ما هو محال عقلاً أو ممنوع شرعًا، أو ممتنع عادة ،
و
الهبة من الوهاب أي أنه يريد
إحسانًا محضًا ليس باستحقاق .
ذرية طيبة : ذرية صالحة
سميع الدعاء : مجيبه
طلبا للذرية الصالحة
بعث الله عيسى عليه السلام رسولا لبني إسرائيل ، و لما اسْتَشْعَرَ مِنْهُمُ التَّصْمِيمَ عَلَى الْكُفْرِ وَالِاسْتِمْرَارَ عَلَى الضَّلَالِ قَالَ مَنْ يَتبعني إِلَى اللَّهِ؟
حَتَّى وَجَدَ الْأَنْصَارَ فَآوَوْهُ وَنَصَرُوهُ، وَهَاجَرَ إِلَيْهِمْ فَآسَوْهُ وَمَنَعُوهُ مِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
وَهَكَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، انْتدَبَ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَآمَنُوا بِهِ وَآزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
القول في تأويل قوله :
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل عن الحواريين
أنهم قالوا: "
ربنا آمنا "، أي: صدّقنا ، "
بما أنزلت "، يعني: بما أنزلتَ على نبيك عيسى من كتابك ،
"
واتبعنا الرسول "، يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذي أرسلتَه به إلى عبادك
وقوله: "
فاكتبنا مع الشاهدين "، يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك،
واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم،
ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك.
(
تفسير الطبري)
ابتدأ الحواريون بأنهم قد آمنوا بما أنزل الله ، لا بالتوراة إنما بما أنزل من غير تحريف ثم أعقبوا ذكر الإيمان والإعلان به باتباع الرسول،
وذلك أن الإيمان يقتضي ذلك، بل الإيمان قول وعمل، فليست دعوى مجردة يقولها الإنسان بلسانه، أو قضية تتصل بالقلب فحسب،
ولا يكون لذلك ما يُبرهن له، ويدل على صحته، وصدق قائله ومُدعيه من العمل في الخارج، فإن هذه الدعوى لا تكون صحيحة،
فهنا جاء ذلك في غاية المناسبة آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فمن صدق في إيمانه فعليه أن يتبع الرسول،
ولهذا مضى في قوله -تبارك وتعالى-:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ [آل عمران:31]
فهذا الذي يُبرهن على صدق هذه الدعوى، ويمتاز الناس بذلك،
فهذا الإيمان الصحيح لا بد فيه من الاتباع للرسول، والعمل بما جاء به.
وهذا الاتباع للرسول أيضًا يكون فيه تحقيق للإيمان على سبيل التفصيل والمُمارسة والعمل،
فالصلاة إيمان، والصيام إيمان، وقراءة القرآن إيمان، والحج إيمان، فهذا الاعتقاد إيمان،
لكن أيضًا حينما يكون هذا الإيمان واقعًا عمليًا يعيشه الإنسان يكون إيمانًا راسخًا ثابتًا، بخلاف من ادعى دعوى، ولم يقم دليل على تصديقها.
وقوله:
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين هذا يدل على معنى وهو حرص المؤمن في الدخول في جملة الأصفياء والخُلص من خلق الله -تبارك وتعالى-.
وأيضًا هذه الشهادة لا يمكن أن تكون صحيحة إلا إذا كانت مبنية على العلم واليقين،
لأنه ليس للإنسان أن يشهد على ظنون وأوهام وتخمينات، وأمور لم يتيقنها، ولم ترسخ في نفسه،
وإنما لا تكون الشهادة إلا إذا كان ذلك بمنزلة المشاهدة، يعني العلم الثابت الذي يكون بمنزلة الشيء المُشاهد،
فهذا يدل على أنهم قد صاروا في الإيمان في منزلة المشاهدين لهذه الحقائق الغيبية، كأنما يُشاهدونها بأبصارهم،
فلم يكن إيمانهم إيمانًا موروثًا يقبل التشكيك، أو قلدوا فيه غيرهم، ونحو ذلك.
الشاهدين : الذين شهدوا لك بالوحدانية و لأنبيائك بالرسالة
إعلانا للإيمان و طلبا للثبات و شهادة بالحق
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، نَادَى الشَّيْطَانُ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قَدْ قُتِلَ، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السلام، فحصل ضعف ووهن وَتَأَخُّرٌ عَنِ الْقِتَالِ، فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَيْ لَهُ أُسْوَةٌ بِهِمْ فِي الرسالة وفي جواز القتل عليه. ثم قال كَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ أَيْ جَمَاعَاتٌ و أتباع فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، إذ أنهم ما ارتدوا عن بصيرتهم وَلَا عَنْ دِينِهِمْ أَنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ ,
قوله تعالى : (
وما كان قولهم ) ما كان قولهم عند قتل نبيهم ، (
إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ) أي : الصغائر ،
(
وإسرافنا في أمرنا ) أي : الكبائر ، (
وثبت أقدامنا ) كي لا تزول ، (
وانصرنا على القوم الكافرين )
(
تفسير البغوي)
إن العبد في حال المصيبة، والشدة بحاجة إلى صبر، فلا يكون في حال من الجزع، ويكون أيضًا في حال من الاستغفار،
لأن ذلك بسبب ذنوبه، وهذا من أبدع المعاني، ونغفل عنه كثيرًا، إذا وقع البلاء، فكثير من الناس يغفل عن هذا،
ولربما كان نظره في ذلك ماديًّا بحتًا، فيطلب الدواء والعلاج عند الأطباء، وهذا لا إشكال فيه،
ولكن لا يقتصر على هذا، يحتاج العبد إلى صبر، ويحتاج إلى استغفار وتوبة، فيكون ذلك سببًا لرفع ما نزل به من البلاء
إذ "ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة"
وإذا تأملت في دعاء الأنبياء في القرآن تجد أنه من هذه البابة، مطالبهم تليق بهممهم، الهمم العالية،
وذلك لا يختص بالسؤال والدعاء والطلب، بل كما قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله- حتى في التوكل،
توكل أصحاب الهمم العالية بنصر الدين وإعزازه، وتوكل أصحاب النفوس التي هي دون هؤلاء لربما في تحصيل رغيف وأكلة يأكلها، أو نحو ذلك ،
وكل ذلك يُطلب فيه التوكل لكن أن ينحصر مطلوب الإنسان وتوكله في لقمة يأكلها ورغيف يسد به جوعه هذا توكل أصحاب الهمم الضعيفة،
هذا لابد منه، ولكن حينما ينحصر هذا السقف الذي لا يتجاوزه هؤلاء هذا يدل على ماذا؟ يدل على همم منحطة.
فالهمم وانحطاطها يكون ذلك في مطالبها، سواء كانت هذه المطالب مطالب دنيوية، أو مطالب أُخروية،
فانظر في دعاء هؤلاء، ودعاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في القرآن، كل ذلك يدل على هذا المعنى،
ولذلك ينبغي للإنسان إذا سأل ودعا الله عز و جل أن يُعلي همته في هذا الدعاء.
ثم أيضًا هؤلاء علموا أن الذنوب والإسراف في المخالفة سواء كان ذلك من جهة الإفراط أو التفريط أنه أعظم سبب للخذلان،
أعظم الأسباب لكون الإنسان يُخذل ويُغلب هي الذنوب والخطايا، ولذلك فإن المؤمن العاقل الراشد هو الذي يعلم أنه لا ينتصر بعدد ولا عُدة،
وإنما أول عُدة هي المدد الإلهي، وذلك يكون بقوة الصِلة بالله عز و جل بطاعته والثقة به والتوكل عليه وترك المعاصي.
ومن تعرف على الله -تبارك وتعالى- في حال الرخاء عرفه الله في حال الشدة،
أن يكون الناس على حال من الاستقامة والطاعة في حال الرخاء فإذا جاءت الشدائد
قال: يا رب، فهنا يكون ممن عرف ربه في رخاءه فيعرفه ربه بالإجابة في حال شدته،
وأقبح من هذا كله من لم يعرف ربه لا في الرخاء ولا في الشدة.
والناس في هذا مراتب، ومنهم من يعرف ربه في الشدة ولا يعرف ربه في الرخاء
كما كان المشركون الذين بُعث فيهم النبي ﷺ إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، بدؤوا يتضرعون، ولجأوا إلى الله، وتضرعوا.
فلا بد من هذا الحصن المنيع، وهو حصن التقوى، والإيمان هذا أعظم حصن يكون به مدافعة الأعداء وتحصين النفوس والأموال والأمة بكاملها،
الإيمان بالله -تبارك وتعالى- والتقوى له، وإذا تخلى الناس عن هذا الحصن كان ذلك سببًا لغلبة عدوهم وتمكنه منهم،
فهم تخلو عن أقوى سلاح يُدافعون به هذا العدو، والعدو يعلم ذلك جيدًا،
ولذلك فإن هذا العدو لا يفتأ يحاول أن يصرفهم وأن يصدهم عن دينهم بكل مستطاع من أجل أن يخلو الطريق أمامه ويكون ممهدًا،
فيأخذ ما في أيديهم، ويكون هؤلاء تحت قهره وتصرفه من غير ممانعة ولا مقاومة.
الإسراف : فإنه الإفراط في الشيء
عند التوكل على الله و طلب نصره و مغفرته
عند الدعاء لإخواننا المستضعفين
(
ربنا إننا سمعنا مناديا ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما ، وأكثر الناس ،
وقال القرظي : يعني القرآن فليس كل أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم ، (
ينادي للإيمان ) أي إلى الإيمان ،
(
أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) أي : في جملة الأبرار ،
(
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي : على ألسنة رسلك ، (
ولا تخزنا ) ولا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا ،
(
يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد )فإن قيل: ما وجه قولهم : (
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟
قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر أي : لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك تقديره : (
فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ) لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة وقيل: معناه ربنا واجعلنا ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك
لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها ،
وقيل: إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء ، قالوا : قد علمنا أنك لا تخلف ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم .
التوسل إلى الله -كما ذكرنا- بأسمائه الحسنى في الدعاء، وذكرنا أيضًا خصوص التوسل بهذا الاسم الكريم "ربنا"،
وقلنا: بأنه جاء مُكررًا خمس مرات في هذه الدعوات الخمس، وأن هذا يدل على مزيد من الضراعة والإلحاح على الله -تبارك وتعالى-،
وأن هذا الاسم له من الاختصاص بالدعاء ما ليس لغيره، وذلك أن النفع والضُر، والعطاء والمنع، وما إلى ذلك،
يرجع إلى معنى هذا الاسم الكريم، مع ما فيه من ذكر الربوبية التي يكون فيها تربيب المخلوق،
والقيام على شؤونه مما يكون معه الرعاية، والرحمة، ونحو هذا، هذا هو الرب، ولذلك لما ذكر ربوبيته العامة في سورة الفاتحة :
الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين [الفاتحة:2]، أتبعه ب
الرحمن الرحيم ، فهي ربوبية مبنية على الرحمة .
كما في الدعاء رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ فهذا عام يشمل كل ما وعد الله به أهل الإيمان من الهدايات بأنواعها :
التوفيق والإرشاد، ويدخل في ذلك أيضًا التمكين والنصر، والغلبة على الأعداء،
والحياة الطيبة في الدنيا لأهل الإيمان والعمل الصالح وكذلك أيضًا مغفرة الذنوب والثواب الجزيل بالحسنات ورفع الدرجات كل هذا يدخل فيه ،
حتى أصبح هذا
دعاء جامعا .
توفّنا : اقبض أرواحنا .
الأبرار : كثيري الطاعة .
الميعاد : وقت الوعد و موضعه .
دعاء جامع يشمل طلب رحمة الدنيا و الآخرة