Avarath: The Fallen (1 زائر)


إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 
Avarath: The Fallen

لم يكن البشر يعرفون متى بدأت الكوابيس

ربما بدأت في الليلة التي ظهر فيها أول ظل خلف نافذةٍ مغلقة، أو حين استيقظ أول طفلٍ باكيًا، يصرخ باسم شخصٍ لم يره في حياته.

لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا.

أن العالم لم يعد آمنًا.

في البداية، ظنوا أنها مجرد أحلام سيئة.

وجوه بلا ملامح تتحدث من خلف الضباب، أصوات تناديهم من أماكن لا وجود لها، وأيدٍ باردة تمتد من العتمة قبل أن يستيقظوا بلحظات.

ثم بدأت الأحلام تترك آثارها.

لم تعد الكوابيس تنتهي مع شروق الشمس.

صار بعضهم يستيقظ وهو يصرخ، وبعضهم لا يستيقظ أبدًا.

آخرون ظلوا أيامًا يحدقون في الفراغ، يتحدثون إلى أشخاص لا يراهم أحد، أو يهربون من ظلال لا وجود لها.

وبمرور الوقت، لم يعد الجنون هو الشيء الوحيد الذي انتشر بين البشر.

انتشرت الجريمة.

والخوف.

والكراهية.

وبدأت المدن التي كانت يومًا عامرة بالحياة تتحول إلى أماكن لا يخرج فيها الناس بعد غروب الشمس.

لم يعرف البشر ما الذي يحدث لهم.

لكن السماء كانت تعرف.

فوق الغيوم، حيث لا تصل أقدام البشر، عاشت الأفاريل.

أبناء السماء.

لم يعرف البشر الكثير عنهم، لكنهم عرفوا أن وجودهم مرتبط بشيء لا يستطيع الإنسان العيش بدونه.

الأمل.

وعندما بدأ الأمل يختفي من قلوب البشر، أدركت السماء أن شيئًا ما قد حدث.

شيء لم يكن يجب أن يحدث.

لقد ظهر الفايريل.

هكذا أطلق الأفاريل عليهم اسمهم.

كانوا منهم ذات يوم.

لكنهم سقطوا.

لم يعد لهم موطن، ولا مكان في السماء.

ومع سقوطهم، تغيرت طبيعتهم.

صاروا يتغذون على الجانب المظلم من البشر؛ على الخوف، والكراهية، واليأس، والكوابيس.

ومع كل روح بشرية تنكسر، كانوا يزدادون قوة.

في البداية، حاولت السماء احتواء الأمر.

راقب الأفاريل الأرض من بعيد، وحاولوا الحفاظ على التوازن دون التدخل أكثر مما ينبغي.

لكن الفايريل لم يكونوا يبحثون عن النجاة فقط.

كانوا يريدون أكثر.

أرادوا عالم البشر.

وفي اليوم الذي حاولوا فيه عبور الحدود التي فُرضت بينهم وبين الأرض، انتهى كل شيء كان يُسمى سلامًا.

اندلعت الحرب.

لم تكن السماء مستعدة لها.

لكنها كانت حربًا ستحدد مصير أفاراث كله.

لم تكن حربًا بين الخير والشر كما سيحكيها البشر بعد سنوات.

كانت حربًا بين كائنات تنتمي إلى السماء، وأخرى سقطت منها.

حربًا أصبح البشر وقودها، وأصبحت أرضهم ساحةً لها.

سنوات طويلة مرّت، حتى لم يعد أحد يعرف كم من الأرواح فُقدت، وكم من المدن سقطت، وكم من السماء احترقت.

وفي النهاية، انتصر النور.

لكن النصر لم يأتِ بلا ثمن.

.بعد انتهاء الحرب، عاد الهدوء إلى السماء

لكن الهدوء لم يكن يعني السلام.

فقد خرج البشر من الحرب أكثر ضعفًا مما دخلوها.

مدنٌ دُمرت، ممالكٌ سقطت، وأرواحٌ لم تعد تعرف كيف تعود إلى الحياة التي كانت تعرفها من قبل.

أما الأمل...

فقد أصبح شيئًا نادرًا.

شيئًا لا يكاد يبقى.



كانت فيليرا، الحاكمة الأولى، قد استهلكت معظم قوتها في الأيام الأخيرة من الحرب، حين استخدمت ما تبقى لديها من قوة للقضاء على الساقطين.

وبقي إلى جوار الحاكمة ستة مستشارين.

سورِن.
كايلِن.
إيريندور.
ليرايِن.
فيرون.
إليون.


كان يفترض أن تكون تلك بداية عصر جديد.

عصر لا حرب فيه.

لا خونة.

لا ظلام.

وعالم يستطيع أخيرًا أن يتنفس.

لكنهم لم يدركوا أن بعض الحروب لا تنتهي عندما تُلقى الأسلحة.

فأحيانًا...

تبدأ الحرب الحقيقية بعد أن يظن الجميع أنها انتهت
*********************************************
Avarath :The Fallen
روايه من تاليفي
النوع: فانتازيا مظلمة، غموض، دراما، خارق للطبيعة.

النبرة: مظلمة، غامضة، ملحمية، ومليئة بالأسرار.

القصة:
في عالمٍ تحكمه السماء وتعيش فيه قوى تتغذى على مشاعر البشر، يبدأ صراعٌ قديم بين الأفاريل والفايريل، فينهار عالم البشر تحت وطأة الخوف والكوابيس. تنتهي الحرب بانتصارٍ ظاهري للنور، لكن السلام لا يدوم طويلًا، و وتبدأ أسرارٌ مدفونة منذ قرون في الظهور، لتقلب موازين أفاراث وتغيّر مصير الجميع. ففي أفاراث، قد لا يكون السقوط هو النهاية... بل البداية.


الشخصيات:

الأفاريل

أبناء السماء وحماة التوازن في أفاراث. ترتبط قوتهم بأحلام البشر وآمالهم وطموحاتهم، ويُنظر إليهم باعتبارهم حماة عالم البشر.

الفايريل

الساقطون من بين الأفاريل، الذين فقدوا موطنهم في السماء وتغيّرت طبيعتهم. يتغذون على الخوف والكراهية واليأس والكوابيس، ويحاولون فرض سيطرتهم على عالم البشر.

 
التعديل الأخير:

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 
الفصل الاول :ما بعد الحرب

فتحت فيليرا عينيها ببطء.

كان أول ما شعرت به هو الألم.

ألمٌ ثقيل امتد في جسدها كله، كأن المعركة لم تنتهِ بعد، وكأن جسدها لم يدرك أن السيوف قد صمتت.

بقيت للحظات تحدق في السقف دون أن تتحرك.

ثم رفعت يدها ببطء، فأخذ ضوء الصباح المنساب من النافذة يلامس أصابعها قبل أن يستقر على خصلات شعرها.

كان شعرها أبيض ناصعًا، ينساب حول كتفيها كخيوط من ضوء القمر، تتخلله خصلات ذهبية التقطت أشعة الشمس الأولى، فبدت وكأن الفجر علق بينها ولم يجد طريقه إلى الرحيل.

فتحت عينيها كاملًا.

كانتا فضيتين صافيتين، باردتين كسماء شتوية، وفي عمقهما هدوء لا يشبه هدوء البشر؛ هدوءٌ يخفي خلفه قوة هائلة لم تعد تعرف كيف تستعيدها.

مدت يدها إلى جانبها، وحاولت أن تنهض.

لكن ذراعها لم تستجب لها في البداية.

رفعت نفسها بصعوبة، وشعرت بثقل جناحيها خلف ظهرها.

امتدا على الفراش في صمت؛ جناحان كبيران ناصعا البياض، تتخللهما ريشات ذهبية تلمع تحت ضوء الشمس كأنها تحمل آخر ما تبقى من نور المعركة.

نظرت إليهما للحظات.

لم يبدوا كما اعتادتهما.

لم يكونا ضعيفين فحسب...

بل بديا كأن شيئًا منهما قد فُقد.

خفضت عينيها.

كانت هذه أول مرة ترى فيها نفسها بهذا الضعف.

أغمضت عينيها مرة أخرى، واستعادت آخر ما تتذكره.

السماء المشتعلة.

صرخات الفايريل.

والقوة التي أطلقتها في اللحظات الأخيرة.

ثم... لا شيء.

فتحت عينيها من جديد.

هذه المرة كان الصمت هو أول ما لاحظته.

صمتٌ كامل.

لا أصوات للمعركة.

لا إنذارات.

لا صرخات.

لقد انتهت.

رفعت نفسها ببطء، وأسندت ظهرها إلى الوسادة.

كانت الغرفة هادئة، والنوافذ مفتوحة على سماء أفاراث. ومن خلفها، بدأت أشعة الشمس الأولى تتسلل إلى الغرفة.

نظرت إليها طويلًا.

منذ سنوات، لم ترَ شروقًا هادئًا كهذا.

طرق خفيف على الباب قطع أفكارها.

— ادخل.

انفتح الباب، وظهر أحد الحراس.

انحنى أمامها وقال:

— مولاتي، المستشار سورِن بانتظارك.

سكتت لحظة.

ثم سألت:

— منذ متى؟

— منذ أن علم أنك استيقظت.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها، رغم التعب.

بالطبع.

كان سورِن دائمًا أول من يصل.

قالت:

— دعه يدخل.

أغلق الحارس الباب خلفه، وبعد لحظات فُتح من جديد.

دخل سورِن بخطوات هادئة.


كان يبدو كما عرفته طوال سنوات الحرب؛ مرتبًا، ثابتًا، وكأن شيئًا في هذا العالم لم يستطع أن يهزه
كان طويل القامة، مستقيم الوقفة، يحمل في حضوره هدوءًا لا يشبه الهدوء العادي؛ هدوء رجلٍ اعتاد أن يفكر قبل أن يتكلم، وأن يراقب قبل أن يتحرك.

كان شعره أسود قاتمًا، تتخلله خصلات داكنة تلمع حين تصيبها أشعة الشمس، كأن الليل احتفظ ببعض أسراره فيه.

أما عيناه فكانتا بلون رمادي عميق، يشبه سماء ما قبل العاصفة؛ هادئتين من بعيد، لكنهما تخفيان شيئًا لا يسهل قراءته.
وخلف ظهره امتد جناحاه في اتساعٍ مهيب؛ ريشهما أبيض نقي، لكن أطراف بعض الريش كانت تميل إلى الفضي، فتبدو تحت الضوء كأنها مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد.

لكن فيليرا لاحظت شيئًا آخر.

كان يعرج قليلًا.


وتحت ثيابه، بدا أثر الضماد واضحًا عند كتفه.

اختفت ابتسامتها.

— ما زلت مصابًا.

رفع سورِن عينيه إليها.

— إنها مجرد إصابة.

— مجرد إصابة؟

نظرت إلى كتفه.

— أنت أخذت الضربة عني.

لم يجب.

اقترب منها ثم انحنى.

— مولاتي.

— لا تفعل ذلك.

قالتها بهدوء، لكنها كانت تحمل شيئًا من الغضب.

— كان يمكن أن تموت.

رفع سورِن رأسه.

ولأول مرة، ظهر على وجهه شيء يشبه الابتسامة.

— ما دمتِ حية، فلا يهم.

صمتت فيليرا.

كانت تتذكر تلك اللحظة.

النصل الذي اندفع نحوها.

سورن الذي ظهر أمامها قبل أن تتمكن من التحرك.

الدم الذي تناثر على الأرض.

ثم غضبها.

والقوة التي أطلقتها بعد ذلك.

خفضت عينيها.

— كنت أستطيع حماية نفسي.

— أعرف.

— إذًا لماذا فعلت ذلك؟

أجاب دون تردد:

— لأنكِ الحاكمة.

نظرت إليه طويلًا.

كانت تعرف أن هذا هو الجواب الذي سيقوله.

لكنها كانت تعرف أيضًا أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.

قالت:

— أنت مستشار قبل أن تكون حاميًا للعرش.

ابتسم سورِن.

— وأنا حامي العرش قبل أي شيء.

ساد الصمت بينهما.
اقترب سورِن من النافذة، ونظر إلى السماء التي بدأت تستعيد لونها الطبيعي..

— مولاتي.

نظرت إليه فيليرا للحظات قبل أن تقول:

— انتهت.

رفع رأسه.

— نعم.

— الحرب؟

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— الحرب.

سكتت فيليرا.

كانت الكلمة بسيطة.

لكنها حملت معها سنوات كاملة من الدماء.

خفضت عينيها، ثم قالت:

— كم خسرنا؟

لم يجب سورِن فورًا.

وهذه المرة، لم تكن ابتسامته موجودة.

— كثيرًا.

تنفست فيليرا ببطء.

كانت تعرف الإجابة قبل أن تسمعها.

ومع ذلك سألت:

— والبشر؟

نظر إليها سورِن طويلًا.

ثم قال:

— ما زالوا أحياء.

رفعت عينيها إليه.

لم يعجبها الجواب.

— لم أسألك إن كانوا أحياء.

ساد الصمت للحظة.

ثم اقترب سورِن من النافذة، ونظر إلى الأرض البعيدة تحتهم.

— الأرض نجت.

قالها بهدوء.

— لكنها لن تعود كما كانت.

نهضت فيليرا من مكانها، رغم الألم الذي اجتاح جسدها.

اقتربت من النافذة.

ومن مكانها، استطاعت رؤية الأرض.

مدن بعيدة لم تعد مضاءة كما كانت.

مساحات كاملة غطاها الدخان.

وبينهما، شيء آخر لم تستطع رؤيته بوضوح.

شيء جعل قلبها ينقبض.

قالت:

— هل انتهى تأثيرهم؟

عرف سورِن ما تقصده.

الفايريل.

أجاب:

— وفقًا لما وصلنا، نعم.

ظلت تنظر إلى الأرض.

— "وفقًا لما وصلنا"؟

— لم نعثر على أي أثر لهم منذ نهاية المعركة.

التفتت إليه.

— إذًا علينا أن نتأكد.

أومأ سورِن.

— بالطبع.

ثم أضاف:

— لكن عليكِ أن ترتاحي أولًا.

نظرت إليه فيليرا، وكادت تبتسم.

— ما زلت تعطيني الأوامر يا سورِن؟

ابتسم.

— شخص ما يجب أن يفعل.

ضحكت للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب.

ضحكة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.

وللحظة واحدة...

بدا كل شيء طبيعيًا.

كأن الحرب انتهت فعلًا.

وكأن أفاراث حصل أخيرًا على فرصة ليبدأ من جديد
 
التعديل الأخير:

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 
الفصل الثاني : مجلس السماء

كان القصر أكثر هدوءًا مما توقعته فيليرا.

لم يكن ذلك الهدوء مريحًا.

بعد سنوات من الحرب، اعتادت آذانها على الضجيج ؛ صليل الأسلحة، و أوامر الحراس، وصوت الأجنحة التي كانت تعبر السماء في كل لحظة.

أما الآن، فلم يبقَ سوى خطوات متقطعة في الممرات الطويلة.

كانت فيليرا تسير ببطء نحو قاعة المجلس.

لم يكن جسدها قد استعاد قوته بعد، لكنها رفضت أن تبقى في غرفتها أكثر.

كان على أفاراث أن يبدأ من جديد.

وعليها أن تكون أول من يبدأ.

حين فتحت أبواب القاعة، كانت الأنظار الستة متجهة نحوها.

وقف الجميع.

تقدّم سورِن أولًا.

— مولاتي.

أشارت بيدها.

— اجلسوا.

عاد الستة إلى أماكنهم.

كان لكل واحد منهم حضوره المختلف، رغم أنهم جميعًا جلسوا حول الطاولة ذاتها.

كايلِن كان أكثرهم صمتًا، يكتفي بالمراقبة.

إيريندور احتفظ بملامح جامدة لا تكشف ما يفكر فيه.

أما ليرايِن فكان يقلب بعض الأوراق أمامه، وكأنه لم ينتهِ من العمل رغم انتهاء الحرب.

جلس فيرون إلى جانبه، وبدت آثار المعركة لا تزال واضحة على درعه.

أما إليون فكان أصغرهم سنًا، والأكثر قلقًا.

وفي المقعد المقابل لها جلس سورِن.

كان كتفه لا يزال ملفوفًا بالضماد.

نظرت فيليرا إليه للحظة، ثم قالت:

— لنبدأ.

وضعت يديها على الطاولة.

— أريد تقريرًا كاملًا عن أفاراث.

بدأ ليرايِن يتحدث.

— معظم المناطق تحت سيطرتنا مجددًا. الحدود مستقرة، والاضطرابات داخل السماء محدودة، لكن...

توقف.

— لكن ماذا؟

— هناك مناطق تحتاج إلى وقت قبل أن تعود إلى ما كانت عليه.

قال فيرون:

— بعضها دُمّر بالكامل.

رفعت فيليرا عينيها إليه.

— وكم من أراضينا خسرنا؟

أجاب بعد لحظة:

— أكثر مما يمكن تعويضه سريعًا.

لم تُجب.

كانت تعرف أن الحرب لم تأخذ أرواحًا فقط.

لقد أخذت أجزاء من أفاراث معها.

قال كايلِن بهدوء:

— لكننا انتصرنا.

نظرت إليه فيليرا.

لم تكن الكلمة مفرحة كما كان يفترض أن تكون.

— نعم.

قالتها بهدوء.

— انتصرنا.

ثم ساد الصمت من جديد.

قطعت فيليرا الصمت بسؤال آخر:

— وماذا عن الأرض؟

نظر المستشارون إلى بعضهم.

أجاب إيريندور:

— الوضع هناك أسوأ.

— تحدث.

فتح ليرايِن إحدى الخرائط أمامه.

— مدن كاملة تضررت. هناك مناطق فقدت الاتصال بالممالك المجاورة، وبعضها لم تصل إليه أي أخبار منذ أيام.

وضعت فيليرا يدها على الخريطة.

كانت عيناها تتنقلان بين العلامات الموضوعة على الأرض.

تبدلت ملامح فيليرا.

— والفايريل؟

أجاب كايلِن:

— ما زال أثر الفايريل موجودًا. ليس كما كان أثناء الحرب، لكنه لم يختفِ بالكامل.

وضعت فيليرا يدها على الطاولة.

— لهذا السبب قلت إن علينا التأكد.

نظر إليها سورِن.

— سنرسل فرقًا إلى المناطق المتضررة.

— لا.

رفع الجميع أنظارهم إليها.

— لا أريد فرقًا عسكرية.

سأل إيريندور:

— إذًا ماذا تريدين؟

— أريد مراقبين.

تدخل سورِن:

— هذا قد يكون خطرًا.

نظرت إليه.

— نحن لسنا في حرب بعد الآن.

— وأنا أتمنى أن يظل الأمر كذلك.

ساد الصمت.

انتقلت فيليرا إلى موضوع آخر.

— ماذا عن القلعة؟

أجاب سورِن:

— الأضرار كبيرة، لكن يمكن إصلاحها.

— وطاقتها؟

سكت قليلًا قبل أن يقول:

— ستحتاج إلى وقت لتستعيد استقرارها.

— وكم من الوقت؟

— لا يمكن تحديده بعد.

تنهدت فيليرا.

كان هذا يعني أن آثار الحرب لم تنتهِ بانتهائها.

ثم قالت:

— سنبدأ بإعادة البناء فورًا.

رفع إليون رأسه.

— وماذا عن المناطق التي فقدت حمايتها؟

نظرت إليه.

— نرسل لهم الدعم.

— حتى لو كان ذلك على حساب أفاراث؟

كان السؤال صريحًا.

لم تجبه فورًا.

نظرت إلى الوجوه المحيطة بها.

كان هذا هو السؤال الذي سيحكم السنوات القادمة.

السماء أم الأرض؟

أمن الأفاريل أم حياة البشر؟

أغمضت عينيها للحظة.

ثم قالت:

— لا أريد أفاراث ينعم بالسلام بينما يموت البشر في الأسفل.

لم يعترض أحد.

قالت:

— سنعيد بناء الاثنين.

رفع سورِن عينيه إليها.

— مولاتي، قوتك...

قاطعته:

— قوتي ليست ما يقلقني الآن.

توقف.

ثم قالت:

— أفاراث هو ما يقلقني.

نظر إليها لثوانٍ.

ثم أومأ.

— كما تأمرين.

انتهى الاجتماع بعد وقت طويل.

غادر الجميع القاعة واحدًا تلو الآخر.

بقي سورِن في مكانه للحظات.

كان ينتظر أن يخرج الجميع.

لم يعد في القاعة سوى فيليرا وسورِن.

جلسا في طرفي الطاولة الطويلة.

حين أُغلقت الأبواب، نظر إلى فيليرا.

— يجب أن تستريحي.

ابتسمت.

— قلت لك ذلك من قبل. لا تعطِ حاكمتك الأوامر.

وقف.

— إذًا سأطلب منكِ.

ضحكت بخفة.

— لا أستطيع أن أعدك.

قالت فيليرا:

— سورِن.

رفع عينيه إليها.

— نعم؟

كان سورِن يقلب إحدى الصفحات ببطء.

— أخبرني.

— عن ماذا؟

رفعت عينيها إليه.

— لا تجعلني أكرر السؤال.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— بحث الفايريل.

سكتت لحظة.

— مر وقت طويل منذ طلبت منك هذا البحث.

— أعلم.

— وكنت أتوقع أن يكون لديك شيء الآن.

أخرج سورِن مخطوطته من جيبه.

— لدي شيء.

اعتدلت فيليرا في جلستها.

— ماذا؟

أخذ نفسًا هادئًا قبل أن يجيب.

— أعتقد أننا كنا نبحث عن السؤال الخطأ.

نظرت إليه باستغراب.

— ماذا تقصد؟

— طوال هذه السنوات، كنا نحاول أن نعرف كيف يسقط الأفاريل.

سكت لحظة.

— لكنني بدأت أعتقد أن السؤال الأهم هو... ماذا يحدث لهم بعد السقوط؟

— وما الفرق؟

رفع سورِن عينيه إليها.

— الفرق كبير.

دفع إحدى الصفحات نحوها، ثم قلب سورِن في الكتب التي كان يحملها.

— وجدت سجلات أقدم من الحرب الأخيرة بقرون. تتحدث عن حالات اختفاء لأفاريل، وعن تغيرات في طبيعتهم قبل أن يظهروا من جديد.

نظرت فيليرا إلى الصفحة.

كانت الكتابة قديمة، وبعض الكلمات بالكاد يمكن قراءتها.

— ولماذا لم أرَ هذه السجلات من قبل؟

— لأنها كانت محفوظة في أرشيف لا يُفتح إلا بإذن الحاكم.

رفعت عينيها إليه.

— وكيف حصلت عليها؟

ابتسم.

— أنا مستشارك الأول.

نظرت إليه للحظة، ثم عادت إلى الصفحة.

— وماذا تقول؟

سكت سورِن.

— تقول إن السقوط لا يبدأ بالظلام.

رفعت فيليرا رأسها.

— ماذا يعني ذلك؟

— لا أعرف بعد.

— سورِن.

— لكنني أعرف شيئًا واحدًا.

اقترب من الطاولة.

— كل حالة وجدتها بدأت بتغير في المشاعر.

بقيت فيليرا صامتة.

— الغضب؟

— ليس الغضب وحده.

— الكراهية؟

— أيضًا.

— إذًا ماذا؟

أجاب بعد لحظة:

— شيء أعمق.

نظرت إليه طويلًا.

— هل تعتقد أن أي أفاريل يمكن أن يتحول؟

— لا.

— إذًا هناك شرط.

— هذا ما أحاول الوصول إليه.

أخذت فيليرا الورقة من أمامه، وقلبتها.

— وهل وجدت شيئًا عن سبب اختلافهم بعد السقوط؟

تردد سورِن قبل أن يجيب.

— وجدت إشارات.

— إلى ماذا؟

— إلى أن أجسادهم نفسها تتغير.

ثم رفع عينيه إليها.

— وكأن القوة التي بداخل الأفاريل لا تختفي عندما يسقطون...

توقف سورن قليلا ثم اكمل:

— بل تتغير طريقة استخدامها.

ساد الصمت.

أغلقت فيليرا المخطوطة ببطء.

— هل هناك شيء آخر؟

ظل سورِن ينظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

— هناك جزء مفقود.

— من المخطوطة؟

— من كل السجلات التي وجدتها تقريبًا.

ضيقت عينيها.

— مصادفة؟

— لا أعتقد.

نهضت فيليرا من مكانها واتجهت نحو النافذة.

— منذ متى وأنت تعرف هذا؟

— منذ فترة.

— ولم تخبرني؟

سكت.

ثم قال:

— لم أكن أملك شيئًا يستحق أن أخبرك به.

التفتت إليه.

— والآن؟

نظر إلى المخطوطة أمامه.

— الآن أعتقد أننا نقترب من شيء لم يفهمه أحد قبلنا.

ظلّت فيليرا تنظر إليه.

ثم قالت:

— أكمل البحث.

أومأ سورِن.

— سأفعل.

— وأريد أن أعرف كل شيء تجده.

رفع عينيه إليها.

— كل شيء؟

— كل شيء.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— كما تأمرين.

عاد الصمت إلى القاعة.

جمعت فيليرا الأوراق أمامها، بينما وقف سورِن يحمل مخطوطاته.

وعندما غادر، بقيت كلماته الأخيرة عالقة في ذهنها.

"السقوط لا يبدأ بالظلام."

لم تكن تعرف بعد ماذا تعني.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...

أن الحرب لم تترك وراءها جروحًا في أفاراث وحده.
 

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 

الفصل الثالث: ما تبقى

استيقظت فيليرا في اليوم التالي قبل شروق الشمس.

لم تستعد قوتها بعد.

لم تكن قد نامت جيدًا.

كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صور الحرب,النار والصراخ.

والسماء وهي تتحول إلى شيء لم تعد تعرفه.

نهضت من فراشها، ووقفت أمام النافذة.

كان الظلام لا يزال يغطي أفاراث، لكن خيطًا ضعيفًا من الضوء بدأ يظهر في الأفق.

وضعت يدها على حافة النافذة.

كان من المفترض أن يكون هذا أول صباح بعد نهاية الحرب.

لكنها لم تشعر بشيء يشبه البداية.

خرجت من غرفتها دون أن تستدعي الحراس.

كانت الممرات لا تزال هادئة، ولم يظهر في القصر سوى عدد قليل من الخدم الذين بدأوا يومهم مبكرًا.

كل شيء بدا مختلفًا.

حتى الجدران التي عاشت معها سنوات الحرب بدت أهدأ.

وصلت إلى الدرج المؤدي إلى الساحة الداخلية.

هناك، توقفت.

كان بعض الحراس يعملون منذ الساعات الأولى في إصلاح ما دمرته المعارك.

قطع حجرية متناثرة.

أعمدة مكسورة.

وأجزاء من أحد الجدران لم تعد موجودة.

راقبتهم دون أن تتحدث.

— لم تكوني مضطرة إلى القدوم إلى هنا.

جاء الصوت من خلفها.

التفتت.

كان سورِن.

لا يزال كتفه ملفوفًا بالضماد، لكنه بدا أفضل من اليوم السابق.

قالت:

— وأنت لم تكن مضطرًا إلى اللحاق بي.

ابتسم.

— أنا حامي العرش، تذكّري.

تفحصها سورِن بهدوء، ثم قال:

— لم تستعيدي قوتك بعد، أليس كذلك؟

تنهدت فيليرا.

— ليس بعد.

سكتت للحظة، ثم قالت:

— يبدو أن الأمر سيحتاج وقتًا أطول هذه المرة.

نظر إليها سورِن.

— بسبب الحرب؟

خفضت عينيها.

— بسبب ما تركته فيهم.

صمتت قليلًا، ثم أضافت بهدوء:

— كنت أعلم أن الأمر سيستغرق وقتًا، لكنني لم أتوقع أن يكون النقص بهذا الوضوح.

فهم سورِن ما تقصده، لكنه لم يعلّق.

تابعت فيليرا، وهي تنظر إلى السماء:

— ما زال البشر يحاولون النجاة مما حدث.

نظرت إلى الحراس في الأسفل.

— منذ متى وهم يعملون؟

— منذ ساعات.

— ولماذا لم يأخذوا راحة؟

— لأنهم لا يعرفون كيف يفعلون ذلك.

ابتسمت رغمًا عنها.

ثم قالت:

— هل بدأت عمليات إعادة البناء؟

— منذ الليلة الماضية.

— بهذه السرعة؟

— لم نكن نملك رفاهية الانتظار.

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

— وماذا عن المناطق البعيدة؟

تغيرت ملامحه قليلًا.

— نحتاج إلى المزيد من الوقت.

— كنت أعلم أنك ستقول ذلك.

نظرت إليه.

— لهذا سأذهب إلى المجلس مرة أخرى اليوم.

رفع حاجبه.

— أهذا تهديد؟

ابتسمت.

— ربما.

سارا معًا في الممر.

وبعد لحظات قالت:

— هل كتبت شيئًا عن بحثك؟

التفت إليها سورِن.

— بهذه السرعة؟

— أنا أعرفك.

— لم يكن هناك وقت كافٍ.

— لكنك وجدت شيئًا.

ابتسم بخفة.

— وجدت أسئلة أكثر.

— وهذا ليس جوابًا.

— لكنه أفضل مما كان لدينا قبل الحرب.

سكتت فيليرا.

ثم قالت:

— لا أريد أن تتعجل.

نظر إليها.

— لن أفعل.

— حتى لو تطلب الأمر سنوات.

توقف للحظة.

— سنوات لن تكون مشكلة بالنسبة لي.

نظرت إليه.

— لا تقل ذلك وكأنها مجرد كلمات.

رفع كتفيه.

— نحن لا نملك شيئًا سوى الوقت الآن.

لم تجبه.

وصلا إلى نهاية الممر، حيث انفتح أمامهما الطريق المؤدي إلى الساحة الخارجية.

كان هناك شخص آخر ينتظرهما.

كايلِن.

كان يقف بجوار أحد الأعمدة، واضعًا ذراعيه خلف ظهره، ويبدو وكأنه كان يعرف أنهما سيأتيان.

كان طويل القامة، متزن البنية، وملامحه هادئة على نحوٍ يليق بشخص اعتاد مراقبة ما حوله أكثر مما اعتاد الحديث عنه. انسدل شعره الأشقر الرمادي الفاتح فوق جبينه، تلتقط خصلاته ضوء الصباح فتبدو كأنها خيوطٌ باردة من الفجر. أما عيناه فكانتا بلون الرماد الهادئ، ثابتتين وعميقتين، يصعب معرفة ما يدور خلفهما.

وخلف ظهره امتد جناحان كبيران ناصعا البياض، تتخللهما ريشات فضية لامعة، بدت تحت الضوء كأن طبقة رقيقة من الثلج استقرت بينها.

قال:

— مولاتي.

أومأت له فيليرا.

ثم نظرت إلى سورِن.

— اذهب.

— إلى أين؟

— لديك الكثير من الأوراق لتقرأها.

ابتسم.

— بدأتِ تستغلين سلطتك.

— متأخرًا جدًا اكتشفت ذلك.

انحنى بخفة، ثم ابتعد.

تابعت فيليرا سيرها مع كايلِن.

لفترة قصيرة، لم يتحدث أي منهما.

كان كايلِن بطبعه أقل كلامًا من البقية.

وأحيانًا كانت فيليرا تفضل ذلك.

قالت:

— كيف حال الحراس؟

— متعبون.

— أعلم.

— لكنهم لن يقولوا ذلك.

نظرت إليه.

— لماذا؟

— لأنهم يظنون أن التعب شكوى.

تنهدت.

— الحرب لم تأخذ منا الأرواح فقط.

أجاب بهدوء:

— لا.

ثم أضاف:

— أخذت منا أشياء لن نعرف أنها اختفت إلا بعد وقت.

توقفت فيليرا.

نظرت إليه.

— مثل ماذا؟

رفع عينيه نحو السماء.

— الثقة.

ظلت صامتة.

ثم قالت:

— أتخشى أن تبدأ المشاكل من الداخل؟

قال:

— أخشى أن تكون قد بدأت بالفعل.

نظرت إليه مطولًا.

— هل لديك سبب يجعلك تقول ذلك؟

هز رأسه.

— لا.

— إذًا لا تجعلني أخاف من شيء لا تملك عليه دليلًا.

أومأ.

— كما تأمرين.

تابعا السير.

وصلت فيليرا إلى الشرفة المطلة على الجزء الشرقي من السماء.

من هناك كان يمكن رؤية ما تبقى من آثار المعركة.

لم تكن السماء قد شُفيت بعد.

بعض الجزر العائمة فقدت أجزاء منها، وبعض الأبراج لم يعد لها أسقف.

قالت:

— سنعيد كل شيء.

نظر كايلِن إليها.

— حتى الأشياء التي لا يمكن إعادتها؟

نظرت إلى الأفق.

— سأحاول.

ساد الصمت.

ثم وصل صوت خطوات مسرعة من خلفهما.

التفتت..

كان إليون.

كان أصغر المستشارين سنًا، وأكثرهم وضوحًا في التعبير عن مشاعره. كان شعره فاتحًا وناعمًا، تحركت خصلاته مع أنفاسه المتسارعة، بينما بدت عيناه الواسعتان أكثر قلقًا من المعتاد. وكان وجهه يحمل ملامح شابة لم تستطع سنوات الحرب أن تمحوها بالكامل.

وخلف ظهره امتد جناحان أبيضاوان تتخللهما ريشات فضية، أقل ضخامة من أجنحة بقية المستشارين، لكنهما لم يبدوا أقل جمالًا تحت ضوء الصباح.

توقف أمامهما، يحاول التقاط أنفاسه.

— مولاتي.

— ماذا حدث؟

— وصلت رسالة من الحدود الشرقية.

مد لها الورقة.

فتحتها.

قرأت السطور الأولى، ثم توقفت.

رفع كايلِن رأسه.

— ماذا هناك؟

أغلقت فيليرا الرسالة ببطء.

— اختفت مجموعة من المراقبين.

تغير وجه إليون.

— أين؟

— قرب الحدود القديمة.

ساد الصمت.

قال إليون:

— كانوا في طريقهم لمراقبة المنطقة بعد الحرب.

ظلت فيليرا تنظر إلى الرسالة.

— وهل وُجد لهم أثر؟

هز إليون رأسه.

— لا شيء حتى الآن.

— متى وصلتنا الرسالة؟

— منذ أقل من ساعة.

رفعت عينيها إلى إليون.

— وهل حاول أحد الاتصال بهم؟

— عدة مرات.

— والنتيجة؟

— لا استجابة.

سكتت فيليرا للحظات.

لم يكن اختفاء مجموعة كاملة من المراقبين أمرًا يمكن تأجيله إلى الصباح.

طوت الرسالة ببطء.

ثم قالت:

— استدعِ المجلس.

رفع كايلن رأسه.

— الآن؟

— الآن.

أومأ دون تردد.

— كما تأمرين.

ثم التفتت فيليرا إلى إليون.

— وأريد كل ما لدينا عن آخر موقع شوهدوا فيه قبل اختفاءهم.

—امركي مولاتي.

غادر إليون مسرعًا.

نظرت فيليرا نحو الحدود الشرقية.

كان شيء ما قد تغيّر.

ولأول مرة منذ انتهاء الحرب، شعرت أن الهدوء الذي عاد إلى أفاراث لم يكن سوى ستار رقيق يخفي ما هو أسوأ.

قالت بهدوء:

— لن ننتظر حتى الصباح.

__________________________________

وفي مكان آخر من القصر، كان سورِن قد عاد إلى غرفته.

وضع المخطوطات على الطاولة، ثم جلس أمامها.

كان البحث قد بدأ منذ سنوات.

لكن للمرة الأولى...

شعر أنه اقترب فعلًا من الإجابة.
 

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 

الفصل الرابع :ظلال الشرق

في تلك الليلة، اجتمع المستشارون في قاعة المجلس.

كانت الخرائط ممدودة فوق الطاولة، والحدود الشرقية محددة بعلامات حمراء.

وقفت فيليرا أمامها، بينما وقف المستشارون الستة حولها.

قالت:

— آخر موقع وصلت منه مجموعة المراقبين كان هنا؟

أشار ليرايِن إلى إحدى النقاط.

— نعم. قرب الحدود القديمة.

— وكم عددهم؟

— ثمانية.

قال فيرون:

— خرجوا لمراقبة المنطقة منذ يومين، وكان يفترض أن يرسلوا تقريرهم قبل عودتهم.

— ولم يصل شيء.

— لا.

سألت فيليرا:

— وهل عثرتم على آثار لهم؟

أجاب إيريندور:

— لا دماء، لا أسلحة، ولا آثار قتال.

رفعت فيليرا عينيها.

— إذًا اختفوا فقط؟

قال كايلِن:

— هذا ما نعرفه حتى الآن.

ساد الصمت.

كان اختفاء ثمانية مراقبين في منطقة خرجت منها الحرب حديثًا كافيًا لإعادة كل المخاوف التي ظنوا أنها انتهت.

قالت فيليرا:

— أريد مجموعة أخرى للتحقق من الموقع.

لا أعتقد أن مجموعة مراقبة ستكون كافية.

— فرقة عسكرية صغيرة للاستطلاع.

قال ليرايِن:

— هذا قد يثير الذعر في المناطق المحيطة.

— والبقاء دون معرفة ما حدث قد يكون أخطر.

نظرت فيليرا إلى الخريطة طويلًا، ثم رفعت عينيها وقالت:

— فرقة صغيرة فقط. لا اشتباك إلا إذا كان ضروريًا.

— أريد معرفة ما حدث للمراقبين، لا البحث عن معركة.

عم الهدوء.

نظرت فيليرا إلى سورِن، تفحصت جراحه بعينيها، ثم أنزلت رأسها إلى الأسفل قبل أن تقول:

— أعرف أنك لم تتعافَ بالكامل.

أراد أن يتحدث، لكنها سبقته:

— لكنك أكثر من أثق به في هذه المهمة.

ثبت سورِن عينيه عليها للحظة.

ثم قال:

— سأذهب.

— وستأخذ معك عددًا محدودًا من الجنود.

أومأ.

— كما تأمرين.

للحظة، لم يتكلم أحد.

كان فيرون أول من تغيرت ملامحه.

— سورِن؟

نظرت إليه فيليرا.

— نعم.

جلس فيرون إلى الخلف، وأسند ذراعه على طرف الكرسي.

— وأنا؟

— ستبقى هنا.

ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح.

— بالطبع.

التفتت إليه فيليرا.

— هل لديك اعتراض؟

نظر إلى سورِن للحظة، ثم عاد إليها.

— لا، مولاتي.

سكت لحظة قبل أن يضيف:

— فقط ظننت أن المستشار الثاني قد يكون مفيدًا في مهمة كهذه.

لم يعلق سورِن.

أما فيليرا فقالت بهدوء:

— لهذا أحتاجك هنا.

— وتحتاجينه هو هناك؟

خرج السؤال أسرع مما أراد.

ساد الصمت.

نظر إليه سورِن، لكنه لم يقل شيئًا.

قالت فيليرا:

— أحتاج شخصًا أعرف أنه يستطيع التعامل مع أي شيء قد يحدث في الخارج.

شد فيرون فكه قليلًا.

كان يعرف المقصود.

لم يعجبه.

لكنه انحنى وقال:

— كما تأمرين.

ثم نظر إلى سورِن.

— حاول فقط ألا تجعلني أندم على بقائي هنا.

ابتسم سورِن ابتسامة خفيفة.

— سأحاول.

وضعت فيليرا يديها على الطاولة، ثم نظرت إلى سورِن.

— ستتحرك الفرقة غدًا مع أول ضوء.

أومأ سورِن.

— كما تأمرين.

انتقلت عيناها إلى فيرون.

— وأريدك أن تتولى تجهيز الفرقة قبل خروجها.

رفع فيرون رأسه.

— حاضر، مولاتي.

نظرت إلى الجميع.

— أريد تقريرًا كاملًا عند عودة سورِن. لا أريد افتراضات، ولا أريد أن يتصرف أحد من تلقاء نفسه. مهمتكم معرفة ما حدث للمراقبين، لا بدء حرب جديدة.

أومأ الجميع.

ثم وقفت فيليرا.

— هذا كل شيء.

تقدّم سورِن خطوة.

— مولاتي...

نظرت إليه.

— ماذا؟

— عليكِ أن ترتاحي.

ابتسمت بخفة.

— يبدو أن الجميع قرر اليوم أن يعطيني الأوامر.

قال سورِن:

— فقط عندما تكون الأوامر ضرورية.

هزت رأسها، ثم استدارت نحو الباب.

— ليلة هادئة للجميع.

غادرت فيليرا القاعة.

ما إن أُغلقت أبواب القاعة خلف فيليرا، حتى ساد صمت قصير.

ثم أطلق ليرايِن زفيرًا طويلًا وهو يجمع أوراقه.

— حسنًا... أعتقد أن هذا الاجتماع انتهى على خير.

نظر إليه إليون باستغراب.

— على خير؟

ابتسم ليرايِن.

— نجونا من محاضرة أخرى عن الراحة، أليس هذا انتصارًا بحد ذاته؟

ضحك إليون بخفة.

أما إيريندور، فاكتفى بهز رأسه وهو ينهض من مكانه.

قال كايلِن:

— على الأقل أحدنا سيحصل على بعض النوم الليلة.

التفت إليون إلى سورِن.

— ليس هو.

أشار برأسه نحو سورِن.

— واضح أنه سيقضي الليل كله في قراءة مخطوطاته.

ابتسم سورِن.

— على الأقل لدي ما أفعله.

قال ليرايِن:

— وأنا كنت أعتقد أن فيرون هو أكثر شخص يحب الذهاب إلى أماكن خطرة.

رفع فيرون حاجبه.

— ماذا تقصد؟

قال ليرايِن ببرود متعمد:

— لا شيء. فقط أعتقد أن المستشار الثاني ربما يشعر بالخيبة لأن المهمة لم تكن من نصيبه.

ضحك إليون.

— ربما؟

نظر فيرون إليهما بحدة.

— هل انتهيتما؟

قال كايلِن بهدوء:

— دعهما. يبدو أن فيرون يحتاج إلى شيء يشغله بعد أن حُرم من الرحلة.

— لم أُحرم من شيء.

قالها فيرون بحدة.

— فقط طلبت مولاتي من سورِن قيادة المهمة.

رد ليرايِن:

— وأنت ستبقى هنا.

صمت لحظة، ثم أضاف:

— بجوار الأوراق.

ضحك إليون مرة أخرى.

— هذه قسوة.

رمقه فيرون بنظرة حادة.

— يمكنك الذهاب معهم إن كنت تريد أن تضحك أكثر.

اقترب إليون من الطاولة.

— في الحقيقة، أفضل أن أبقى هنا. لدي رغبة شديدة في رؤية سورِن يعود بكامل أعضائه.

ابتسم كايلِن.

— لا تقلق. سورِن يعرف كيف يعود.

نظر فيرون إلى سورِن.

— نعم. يبدو أنه يعرف كيف يعود من كل شيء.

التقط سورِن أوراقه دون أن يعلق.

لكن ليرايِن لم يفوّت الفرصة.

— بما أنك المستشار الثاني، ربما تستطيع أن تثبت لنا غدًا أن المستشار الأول ليس الوحيد القادر على التعامل مع الفايريل.

تغيرت ملامح فيرون.

— وماذا يفترض أن يعني ذلك؟

رفع ليرايِن كتفيه.

— لا شيء.

ثم ابتسم.

— مجرد تشجيع.

قال إيريندور وهو يتجه نحو الباب:

— اتركوه قبل أن يقرر أن يثبتها الليلة.

ضحك إليون.

—. أعتقد أنه قرر بالفعل.

نظر فيرون إلى الجميع.

— اذهبوا.

بدأ المستشارون بالخروج، لكن كايلِن توقف بجواره للحظة.

قال بهدوء:

— لا تأخذ الأمر على محمل شخصي.

رفع فيرون عينيه إليه.

— لا أفعل.

نظر كايلِن إلى سورِن.

ثم عاد إليه.

— جيد.

وغادر.

كان سورِن يجمع الأوراق أمامه بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.

توجه فيرون نحوه.

— هل أنت سعيد؟

رفع سورِن عينيه إليه.

— بشأن ماذا؟

— لا تتظاهر بأنك لا تعرف.

وقف سورِن وأغلق الملف الذي بيده.

— إذا كنت تتحدث عن المهمة، فقد صدر أمر الحاكمة.

ضحك فيرون بسخرية.

— بالطبع. أمر الحاكمة.

تقدم خطوة.

— دائمًا ما تكون الأوامر مريحة عندما توافق ما تريده.

تغيرت ملامح سورِن قليلًا.

— اختر كلماتك بعناية.

— ولماذا؟ لأنك المستشار الأول؟

ساد صمت قصير.

ثم قال سورِن:

— لأننا لسنا وحدنا.

أشار فيرون نحو الباب.

— الجميع خرجوا.

— وهذا لا يعني أن عليك قول كل ما يخطر في رأسك.

ابتسم فيرون بسخرية.

— أنت تعرفني أكثر مما ينبغي.

حمل سورِن أوراقه واتجه نحو الباب.

لكن فيرون سبقه وأغلقه.

توقف سورِن.

— فيرون.

— لماذا أنت؟

— ماذا؟

— لماذا اختارتك أنت؟

— هذا سؤال توجهه إليها، لا إليّ.

— سألتك أنت.

نظر إليه سورِن بهدوء.

— لأنها تثق بي.

اشتدت ملامح فيرون.

— أكثر مني؟

لم يجب سورِن.

وكان صمته وحده كافيًا.

قال فيرون:

— أنا المستشار الثاني.

— وأنا لم أقل عكس ذلك.

— قاتلت إلى جانبها كما قاتلت أنت.

— أعرف.

— وأنقذت حياتها أكثر من مرة.

— أعرف.

اقترب فيرون منه.

— إذًا لماذا عندما تحتاج إلى شخص، يكون اسمك أول اسم يخطر في رأسها؟

ظل سورِن ساكنًا.

— لأنني أستطيع تنفيذ المهمة.

ضحك فيرون.

— دائمًا نفس الإجابة.

ثم أضاف:

— هادئ، محسوب، يعرف ماذا يقول ومتى يصمت...هي تراك مثاليًا.

نظر إليه سورِن للحظة.

— وما الذي تريده مني؟

— أريد أن أعرف ما الذي يجعلك أفضل مني في كل مرة.

— لا أظن أن هذا متعلق بي.

— بل متعلق بك أكثر مما تتخيل.

ساد الصمت.

ثم قال سورِن:

— فيرون، لا تجعل الغيرة تعميك عن ما هو مهم.

تصلبت ملامح فيرون.

— الغيرة؟

— أنت غاضب لأنني كُلّفت بالمهمة.

— أنا غاضب لأنك دائمًا تتصرف وكأنك الوحيد الذي يستطيع حمايتها.

— لم أقل ذلك.

— لا تحتاج إلى قوله.

اقترب منه أكثر.

— أنت تعرف جيدًا كيف تجعلها تثق بك.

لم يتغير وجه سورِن.

— وأنت لا تعرف كيف تخفي غضبك.

ضحك فيرون ضحكة قصيرة.

— على الأقل أنا واضح.

فتح سورِن الباب.

— انتهى الحديث.

تراجع فيرون خطوة.

ظل ينظر إليه للحظات، ثم قال بصوت منخفض:

— ربما بالنسبة لك.

توقف سورِن دون أن يلتفت.

قال فيرون:

— لكني لن أتظاهر بأن كل شيء بخير لمجرد أنك أقرب شخص إليها.

التفت إليه سورِن.

كانت نظراتهما متقابلة للحظات.

ثم قال فيرون:

أنا لا أثق بك.

ساد الصمت.

ثم فتح سورِن الباب وغادر دون أن يجيبه.

بقي فيرون وحده في القاعة، ينظر إلى الباب المغلق
 

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 

الفصل الخامس :حدود الشرق

في صباح اليوم التالي، استعدت الفرقة بقيادة سورِن للتوجه إلى الحدود الشرقية لأفاراث.

تجهز سورِن، رغم إصابته التي لم تلتئم بعد من أثر الحرب، ليقود وحدة عسكرية مصغرة للاستطلاع.

وقف أمام الجنود، وقال بصوت واضح ومسموع:

— فليستعد الجميع. سنتجه إلى الحدود الشرقية، ويجب علينا العودة سالمين برفقة وحدة المراقبين.

جاء صوت خافت من خلفه:

— تمنى فقط أن تعود.

تنهد سورِن، ثم التفت.

كان فيرون يقف خلفه.

مرت لحظة من الصمت، وتعلقت نظراتهما ببعضهما.

قاطع صمتهما صوت فيليرا:

— أدعو لكم أن تكلل مهمتكم بالنجاح.

اقتربت من سورِن، ثم همست:

— لا تنسَ ما تحدثنا عنه.

تذكر سورِن ليلة أمس، بعد أن غادر قاعة المجلس.


حين اقترب منه أحد الحراس.

— سيدي، الحاكمة أمرتني بإبلاغك أنها بانتظارك في الشرفة المطلة على الحدود الشرقية.

لم يجب سورِن، وتحرك في صمت.

في الشرفة...

كانت فيليرا تقف واضعة يديها على حافة الشرفة، تنعكس خصلات شعرها البيضاء والذهبية مع ضوء القمر.

كان الليل قد غطى أفاراث سريعًا.

كانت شاردة في الظلام، وكأن العتمة تخفي خلفها كل ما تركته الحرب من دمار.

جاء صوت قطع شرودها:

— لا تقلقي.

التفتت إليه.

— ستكون الأمور بخير. فقد انتهت الحرب.

تنهدت فيليرا.

— سورِن.

تقدم سورِن وانحنى، ثم قبّل يدها.

— مولاتي.

قالها بهدوء:

— لا تقلقي.

نظرت إليه للحظات، ثم قالت:

— سورِن... لا يجب على شعب الأفاريل أن يعرف ما حدث.

رفع سورِن رأسه قليلًا حتى التقت عيناه بعينيها.

— أعلم.

— لا نستطيع خوض حرب أخرى. ستكون نهاية الأفاريل.

ظل سورِن صامتًا.

تابعت:

— وما زلنا لا نعلم إن كان اختفاء فرقة المراقبين مرتبطًا بالفايريل.

قال سورِن:

— ما زلنا نبحث عن الحقيقة.

نظرت فيليرا إلى القمر، ثم قالت:

— سورِن... أنت تعلم ما أهمية الحدود الشرقية، أليس كذلك؟

أومأ سورِن.

— هناك حيث يرتبط أفاراث بالأرض.

— أجل.

سكتت للحظة.

ثم قالت:

— لذلك لا يجب أن يصل ما تبقى من الفايريل إلى الأرض مجددًا.

ضغطت على يدها، ثم خفضت عينيها.

— لن يتحمل البشر ضربة أخرى منهم.

ثم التفتت إليه.

— لذلك يجب عليك الذهاب.

صمتت للحظة قبل أن تضيف:

— أنت وحدك من بحث في أسرار الفايريل لهذه السنوات، وربما تستطيع أن تفهم ما يحدث قبل أن يتفاقم.

أومأ سورِن.

— لا تخافي، يا مولاتي. ستكون الأمور بخير.


— هاي، سورِن!

أفاق سورِن من شروده في ذكريات الأمس.

التفت نحو فيرون.

ثم انحنى وقبّل يد فيليرا.

— سنعود.

ابتسمت فيليرا بهدوء، لكن خلف تلك الابتسامة كان هناك قلق لا تستطيع إخفاءه، وقلق أكبر مما تخبره به حتى لنفسها.

وقف سورِن وأدار ظهره.

— استعدوا.

ثم رفع صوته:

— انطلاق!

تحركت الحملة نحو الحدود الشرقية.

بينما ظلت فيليرا واقفة تراقبهم حتى اختفوا عن نظرها.

أما فيرون، فظل للحظة ينظر إلى سورِن قبل أن يبتعد.

وتمتم بصوت خافت:

— فقط لا تعد.
 

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 

الفصل السابع :ما بعد الرحيل

ظل فيرون للحظة ينظر إلى سورِن قبل أن يبتعد.

وتمتم بصوت خافت:

— فقط لا تعد.

ألقى فيرون نظرة أخيرة نحو السماء، ثم استدار وغادر دون أن يقول شيئًا آخر.

ظلت فيليرا واقفة في مكانها، تراقب السماء بعد أن اختفت الفرقة عن مرمى بصرها.

كان كايلِن واقفًا خلفها، يراقب صمتها للحظات.

قال بعد لحظات:

— رغم إصابته... ما زلتِ تركتِه يقود بنفسه.

لم تجبه فيليرا فورًا. ظلت عيناها معلقتين بالمكان الذي اختفى فيه سورِن.

ثم قالت:

— لأنني أعرف قوته.

نظر إليها كايلِن.

— قوته؟

التفتت إليه.

— سورِن ليس مثل بقية الأفاريل.

ساد الصمت للحظة، ثم أضافت:

— قوته مختلفة.

— مختلفة كيف؟

نظرت إلى السماء.

— لا أعرف كيف أصفها، لكنه يستطيع فعل أشياء لا يستطيع كثير من الأفاريل حتى الاقتراب منها.

ثم أضافت بهدوء:

— أحيانًا أشعر أنها لا تأتيه كقوة... بل كأنها جزء منه لا يحتاج إلى استدعائه.

ظل كايلِن صامتًا.

تابعت:

— رأيته في الحرب.

خفضت عينيها.

— كانت هناك لحظات لم أفهم فيها كيف استطاع أن يفعل ما فعله. ما فعله يومها لم أستطع أنا نفسي أن أفعله بهذه السرعة.

تغيرت ملامح كايلِن.

— هل تقصدين...

قاطعته:

— لا.

سكتت للحظات.

ثم قالت بهدوء:

— لكن لو كان عليّ أن أختار شخصًا واحدًا أرسله إلى المكان الذي نخشى جميعًا الاقتراب منه...

توقفت.

— سأختار سورِن.

نظر إليها كايلِن طويلًا.

— ولهذا اخترته؟

أومأت.

— ليس لقوته وحدها.

ثم نظرت إلى الأفق.

— لكنه من بين القلة الذين أثق أنهم قادرون على مواجهة شيء لا نعرفه بعد.

نظر إليها كايلِن للحظات.

— حتى وهو مصاب؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل أي راحة.

— حتى وهو مصاب.


حلّقت الفرقة فوق العاصمة مع أول ساعات النهار.

ومن الأعلى، بدت أفاراث مختلفة عن كل ما عرفه سورِن من ساحات الحرب.

في قلب المملكة ارتفع القصر، شامخًا فوق أعلى أجزاء العاصمة، تحيط به أبراج بيضاء وجسور طويلة تمتد بين الأبنية كخيوط معلقة في السماء.

وحول القصر امتدت المدينة في دوائر واسعة؛ بيوت متقاربة، وأسواق بدأت تستعيد أصواتها، وساحات امتلأت بالأفاريل بعد أن عادوا إلى حياتهم التي توقفت طويلًا بسبب الحرب.

كانوا في كل مكان.

أفاريل يحملون صناديق فوق أجنحتهم، وآخرون يعبرون الجسور بين المباني، وحراس يقفون عند الممرات، وأطفال يركضون في الساحات خلف بعضهم بينما يحاول أهلهم اللحاق بهم.

كان المشهد حيًا.

لكن آثار الحرب كانت حاضرة أيضًا.

جدران لم تُرمم بعد، وأسقف انهارت أجزاء منها، ونوافذ أُغلقت بدلًا من أن يُعاد إصلاحها.

حتى بين السكان، كان يمكن رؤية آثارها.

أجنحة ملفوفة بالضمادات.

وجوه أكثر شحوبًا مما ينبغي.

وعيون اعتادت أن تنظر إلى السماء بحذر.

واصلت الفرقة طريقها.

كلما ابتعدوا عن العاصمة، بدأت الأبنية تقل، واتسعت المساحات بينهم.

ظهرت القرى الصغيرة والمنازل المنتشرة حولها، وأراضٍ مفتوحة يعيش فيها الأفاريل بعيدًا عن صخب المملكة.

بعضهم كان يعمل منذ الصباح، وآخرون وقفوا أمام منازلهم يراقبون الفرقة وهي تمر.

كانوا يعرفون إلى أين تتجه.

الشرق.

وكان اسم الشرق وحده كافيًا ليجعل بعضهم يتوقف عن الحديث.

هناك، في أقصى المملكة، كانت تمتد واحدة من أهم حدود أفاراث.

الحدود التي لا تفصل السماء عن أرض أخرى فقط...

بل تفصل عالمهم عن عالم البشر.

كلما اقتربت الفرقة منها، أصبح الطريق أكثر هدوءًا.

اختفت الأسواق.

قلّ السكان.

وحلّت محل الأبنية المرتفعات الصخرية والمساحات الواسعة التي لم تعد فيها آثار الحياة كثيرة.

ظل سورِن في مقدمة الفرقة، يراقب الطريق أمامه.

كان يعرف هذه المنطقة جيدًا.

قبل أن يصبح مستشارًا أول، كانت الحدود الشرقية تحت مسؤولية فيرون.

كان هو من يحرسها، وهو من يعرف طرقها وممراتها وأماكن ضعفها أكثر من أي شخص آخر.

أما الآن...

فكان سورِن هو من يقود الطريق إليها.

وراءه، استمرت الفرقة في التحرك.

وفي الأسفل، كان آخر تجمع للأفاريل يختفي تدريجيًا من نظرهم.

أمامهم لم يبقَ سوى الشرق.

وما يختبئ خلف حدوده.
_______________________________________________________________

في قلب أفاراث،
كان القصر أكثر هدوءًا مما اعتادت عليه فيليرا.

بعد رحيل الفرقة، شعرت أن المكان أصبح أكبر مما كان.

وقفت أمام إحدى النوافذ المطلة على العاصمة، تراقب الحركة في الأسفل.

بدأت المملكة تستعيد صوتها تدريجيًا.

الأسواق فتحت أبوابها من جديد، وبدأت العربات تمر بين الطرق والجسور، بينما تحرك الأفاريل في كل اتجاه وكأنهم يحاولون إقناع أنفسهم بأن الحياة عادت إلى طبيعتها.

لكنها لم تعد.

ليس بعد.

دخل كايلِن القاعة بهدوء، وكان يحمل مجموعة من الأوراق.

— مولاتي.

التفتت إليه.

— ماذا لديك؟

— تقرير عن الحراس.

وضع الأوراق أمامها.

— معظم الوحدات عادت إلى مواقعها، لكن هناك نقص في عدد الحراس على الحدود الغربية والجنوبية.

نظرت فيليرا إلى الأوراق.

— زِد عدد الدوريات.

— ستحتاج الحدود الشرقية إلى رجال أكثر أيضًا.

توقفت.

ثم رفعت عينيها إليه.

— سورِن هناك الآن.

— أعرف.

قالها بهدوء.

— لكن هذا لا يعني أن نترك الحدود الأخرى دون حماية.

أومأت.

— افعل ما تراه مناسبًا.

أخذ كايلِن الأوراق.

وقبل أن يتحرك، دخل ليرايِن مسرعًا.

كان يحمل ثلاثة كتب ومجموعة من المخطوطات، وكأنه لم يجد وقتًا ليضع أيًا منها في مكانه الصحيح.

— مولاتي.

نظرت إليه.

— ماذا حدث؟

— لدينا مشكلة.

تنهد كايلِن.

— مشكلة أخرى؟

ابتسم ليرايِن.

— يبدو أن أفاراث قرر ألا يمنحنا فرصة للراحة.

وضعت فيليرا يدها على جبينها.

— تحدث.

اقترب ليرايِن ووضع إحدى المخطوطات أمامها.

— سجلات إعادة البناء ناقصة.

— ناقصة كيف؟

— هناك مناطق لا توجد عنها أي سجلات منذ أكثر من خمسين عامًا.

رفعت فيليرا حاجبها.

— خمسون عامًا؟

— نعم.

قالها وهو يقلب الصفحات.

— والأغرب أن بعض تلك المناطق تقع بالقرب من الحدود القديمة.

نظرت فيليرا إلى الخريطة.

— هل تقصد الحدود الشرقية؟

— بعضها.

ساد الصمت للحظة.

ثم قالت:

— احتفظ بهذه السجلات.

نظر إليها ليرايِن باستغراب.

— لماذا؟

— فقط افعل ما أقول.

صمت ليرايِن.

ثم قال:

— أمرك، مولاتي.

في هذه اللحظة، دخل إيريندور.

توقف عند الباب، ثم قال:

— مولاتي.

التفت الجميع إليه.

كان يحمل مجموعة من التقارير.

— هناك حركة غير معتادة قرب الحدود الشمالية.

رفعت فيليرا رأسها.

— فايريل؟

— لا.

قالها بحزم.

— لكننا لا نعرف ما هي.

اقترب ووضع التقارير أمامها.

— أرسلنا دورية للتحقق، لكنها لم تجد شيئًا.

نظرت فيليرا إلى الأوراق.

ثم قالت:

— تابعوا الأمر.

— نعم، مولاتي.

غادر إيريندور.

بقي إليون واقفًا عند الباب.

كان صامتًا منذ دخوله.

لاحظت فيليرا ذلك.

— ما بك؟

رفع عينيه إليها.

— لا شيء.

— إليون.

تردد.

ثم قال:

— أنا فقط...

سكت.

— ماذا؟

نظر نحو النافذة.

— هل تعتقدين أنهم سيعودون؟

عرفت من يقصد.

سورِن والفرقة.

ابتسمت فيليرا له.

— سيعودون.

— وكيف أنتِ متأكدة؟

نظرت إلى الخارج.

— لأنني أثق به.

قال إليون بصوت منخفض:

— أتمنى أن تكوني محقة.

لم تجبه.

عادت عيناها إلى العاصمة.

كان أفاراث يتحرك من جديد.

وكان عليها أن تتأكد أن هذا العالم سيظل واقفًا مهما كان الثمن.
_____________________________________________________
في مكان بعيد عن القصر، كانت الفرقة تقترب أكثر من الحدود الشرقية.

أما خلفهم...

فقد بدأت السماء تغطيها سحابة داكنة لم يلاحظها أحد بعد.
 

Markiza Hend

Pure as Snow ❥
إنضم
3 أبريل 2013
رقم العضوية
73
المشاركات
15,817
الحلول
8
مستوى التفاعل
10,703
النقاط
2,417
أوسمتــي
20
العمر
30
الإقامة
مصر أم الدنيا ♡
توناتي
15,920
الجنس
أنثى
LV
5
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته~
أهلًا ومرحبًا بكِ ليورا.. نورتي المنتدى ونورتِ قسم القصص والروايات ق1ق1

بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن.. قرأت المقدمة فقط
فكرتك مبتكرة وبداية قوية جدًا، دخلتيني في أجواء الرواية من أول سطر، راقت لي إن الكوابيس ما كانت مجرد أحلام
بل بدأت تترك آثارها على الواقع لحد ما تحوّل الخوف نفسه إلى جزء من حياة البشر حز88..
حبيت التصاعد اللي شعرت فيه أثناء القراءة، وابدعتِ في إنك تجعلي مابين الأفاريل والفاييريل تاريخ كامل
بدل مايكون الصراع سطحي أو مجرد خير ضد شر—فكرة ذكية تُحسب لكِ ق1
وفكرة السقوط والتحوّل وربط الفاريل بمشاعر إنسانية من الخوف واليأس والكراهية والكوابيس كانت رهييبة وحسيتها أعطت عالم الرواية عمقًا من البداية، وجعلتني أتساءل عن حقيقة سقوطهم وما الذي دفعهم للوصول إلى هذه المرحلة؟؟

ثم تأتي النهاية لتقلب الإحساس كله!!!
فأحيانًا... تبدأ الحرب الحقيقية بعد أن يظن الجميع أنها انتهت
قفلة موفقة جدًا لأنها ما أعطتني إحساس إن المقدمة انتهت، بالعكس تمامًا.. حسستني إن المقدمة الحقيقية لسه ما بدأت أصلاً جوجو1
سلمت يداك.. واضح عندك موهبة جميلة ماشاء الله في الكتابة وبناء الأفكار ش10ق1ق1
سردك في منتهى الروعة وبداية تشد فعلاً يا ليورا.. تم تقيمك وبالتوفيق لك في الرواية ليليث3ق6
وبحاول مرات تانية أرجع وأقرأ باقي الفصول إن شاء الله جوجو1


دمتِ في حفظ الله ورعايته~
 

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 

الفصل الثامن :الفايريل

كلما ابتعدت الفرقة عن آخر تجمعات الأفاريل، بدأ الشرق يتغير.

في البداية، لم يكن التغيير واضحًا. كانت الأرض فقط أكثر صمتًا، ثم بدأت الأشجار تقل تدريجيًا حتى اختفت تمامًا، وحلّت محلها مساحات واسعة من الصخور الرمادية، تتخللها شقوق عميقة امتدت بين الأرض كجروح قديمة لم تلتئم.

كانت السماء فوقهم أغمق مما اعتادوه داخل أفاراث، لا بسبب الغيوم، بل بسبب شيء آخر لم يستطع أحد منهم تحديده. وانخفضت حرارة الهواء كلما تقدموا، بينما بدأت رائحة غريبة تتسلل بينهم؛ مزيج من الرماد والرطوبة وشيء معدني خفيف لم يستطع أحد أن يعرف مصدره.

أبطأ سورِن من سرعته.

أمامهم لم تكن هناك أبراج مراقبة، ولا طرق واضحة، ولا مساكن. فقط آثار مبانٍ قديمة متناثرة بين الصخور، نصفها مدفون تحت الأرض، والنصف الآخر تهدمت أسقفه منذ سنوات طويلة. بعض الجدران كانت تحمل علامات سوداء لم تختفِ رغم مرور الزمن.

توقف أحد الجنود قليلًا.

كان اسمه آرين، وكان يحدق في المكان بنظرة لم يستطع أن يخفي فيها قلقه.

— هل كانت المنطقة هكذا دائمًا؟

أجابه دارِن من خلفه:

— لا.

رفع آرين حاجبه.

— وكيف تعرف؟

نظر دارِن إلى الأبنية البعيدة.

— أبي كان يعمل هنا قبل الحرب.

سكت لحظة، ثم أضاف:

— قال إن الشرق كان مختلفًا.

تدخلت ميلا، التي كانت تحلق بالقرب منهما:

— مختلفًا كيف؟

نظر إليها دارِن.

— كان هناك سكان.

تغيرت ملامح ميلا.

— هنا؟

أومأ.

— كانت هناك قرى صغيرة ومحطات للحرس.

نظرت حولها، وكأنها تحاول تخيل الحياة في هذا المكان.

— لا أستطيع تخيل أحد يعيش في مكان كهذا.

قال آرين:

— أنا أيضًا.

ثم خفض صوته قليلًا:

— ولا أظن أن أحدًا يجب أن يفعل.

رمقته ميلا بنظرة سريعة.

— لا تقل ذلك.

— لماذا؟

— لأننا لم نصل حتى الآن إلى المكان الذي نبحث عنه، وأنت بدأت تخيف نفسك.

ابتسم آرين ابتسامة صغيرة لم تحمل أي مرح.

— أنا لا أخيف نفسي.

ثم نظر إلى الصخور المحيطة بهم وأضاف:

— أنا فقط لا أحب الأماكن التي لا أستطيع رؤية ما فيها.

لم تجبه ميلا.

كان الجميع يشعر بالشيء نفسه، حتى الذين حاولوا إخفاءه.

كانت المنطقة ساكنة بشكل غير طبيعي. لا أصوات طيور، ولا حركة في السماء، ولا حتى رياح حقيقية. فقط ذلك الصمت الثقيل الذي جعل أصوات أجنحتهم تبدو أعلى مما ينبغي.

نظر دارِن خلفه.

— هل نحن متأكدون أن المراقبين مروا من هنا؟

أجاب أحد الجنود:

— الإحداثيات تقول ذلك.

— الإحداثيات لا تقول إن المكان آمن.

قالها دارِن وهو يعيد نظره إلى الأمام.

وصلت كلماته إلى سورِن، فالتفت إليهم.

— لا أحد يبتعد عن المجموعة.

ساد الصمت فورًا.

رفع آرين رأسه.

— نعم، سيدي.

أعاد سورِن نظره إلى الطريق.

استمرت الفرقة في التقدم حتى دخلت المنطقة المهجورة تمامًا.

هناك بدا الشرق مختلفًا.

لم تعد الصخور متناثرة كما كانت في بداية الطريق، بل ارتفعت حولهم في مجموعات ضيقة تشبه الممرات الطبيعية، تحجب أجزاء من السماء وتتركهم يتحركون بينها في صمت.

كانت الأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الرماد، وكل خطوة كانت تثير منها غبارًا خفيفًا سرعان ما يهبط من جديد.

وبين الصخور، ظهرت بقايا مدينة قديمة.

جدران مائلة، أبواب نصف مفتوحة، وسلالم تؤدي إلى أماكن لم تعد موجودة. وعلى أحد المباني، بقيت آثار نقش قديم تآكلت معظم حروفه، لكن أحدهم ما زال قادرًا على قراءة جزء منه.

اقتربت ميلا.

— هل كانت هذه محطة للحرس؟

أجاب دارِن:

— ربما.

قال آرين:

— لا.

نظر إليه الاثنان.

أشار إلى الأرض.

— انظروا.

كانت هناك آثار أقدام.

حديثة.

ساد الصمت.

انحنى سورِن ونظر إليها للحظات.

لم تكن آثار أقدام جنود من الفرقة.

قال أحد الجنود:

— هل يمكن أن يكونوا المراقبين؟

لم يجب سورِن فورًا.

ظل يتتبع الآثار بعينيه، ثم وقف.

— سنتبعها.

تحركت الفرقة خلفه بحذر.

لكن بعد أمتار قليلة، اختفت الآثار فجأة.

توقفت ميلا.

— كيف؟

اقترب دارِن من الأرض.

— لا يوجد شيء.

رفع رأسه، ونظر حوله.

— كأنهم اختفوا.

لم يعلق سورِن.

رفع عينيه إلى الصخور المحيطة بهم.

كان هناك شيء في المكان يجعلهم يشعرون بأنهم مراقبون، لكن لا أحد استطاع أن يحدد من أين يأتي ذلك الشعور.

ثم سمعوا الصوت.

كان خافتًا في البداية.

صوت حجر سقط في مكان بعيد.

استدار الجميع في اللحظة نفسها.

لم يروا شيئًا.

ثم جاء صوت آخر، هذه المرة أقرب.

تراجعت ميلا خطوة دون أن تشعر.

شد آرين قبضته حول سلاحه.

أما سورِن فظل واقفًا في مكانه، يراقب الفراغ بين الصخور.

تحرك ظل في المسافة البعيدة.

في البداية، لم يستطع أحد تحديد ما يرونه، فقد بدا كأنه مجرد جزء من الظلام يتحرك ببطء بين الصخور.

ثم خرج من بين العتمة.

توقفت الفرقة.

كان الفايريل أطول من أي أفاريل عرفوه، وأضخم منهم بكثير، عريض الكتفين، بجسد بدا وكأنه يحمل قوة هائلة حتى وهو واقف بلا حركة. كان شعره داكنًا، أسود كثيفًا ينساب حول وجهه، بينما ثبتت عيناه عليهم بلون أحمر عميق يشبه الدم.

لكن أكثر ما شد أنظارهم كان جناحاه.

انفتحا خلفه ببطء، فامتدا على اتساع هائل تجاوز أجنحة الأفاريل بأضعاف، وكانت ريشاتهما سوداء كثيفة، تبتلع الضوء بدل أن تعكسه. لم يكن فيهما أي أثر للفضة التي اعتادها جنود السماء في أجنحتهم، ولا لذلك البياض الذي كان يميزهم عن غيرهم. كان السواد وحده يملأ الفراغ خلفه، حتى بدا للحظة وكأن الظلام نفسه قد اتخذ هيئة جناحين.

شعر آرين بقبضته تشتد حول سلاحه دون أن ينتبه. أما ميلا، فقد توقفت أنفاسها للحظة، وعاد إلى ذاكرتها شيء لم ترغب في تذكره؛ السماء التي كانت تغطيها الأجنحة السوداء في أيام الحرب، والصراخ الذي كان يخرج من بين الدخان، والجنود الذين لم يعودوا إلى ديارهم بعدها. لم تكن هذه أول مرة ترى فيها فايريل، لكنها لم تكن مستعدة لرؤية أحدهم مرة أخرى بعد كل ما حدث.

إلى جانبها، ظل دارِن يراقبه بصمت، وقد تبدلت ملامحه التي ظلت متماسكة طوال الطريق. لم يكن أي منهم بحاجة إلى أن يسأل عن هويته. كانوا يعرفون جيدًا ما الذي يقف أمامهم.

رفع الفايريل يده ببطء.

تجمعت حول أصابعه طاقة كثيفة، داكنة يتخللها لون أحمر قاتم، تتحرك في خيوط متشابكة حول يده قبل أن تنتشر قليلًا في الهواء، وكأن شيئًا يشبه الدم قد ذاب في الظلام وأصبح جزءًا منه.

لم تكن القوة جديدة عليهم؛ لقد رأوها في الحرب، وعرفوا تمامًا ما تستطيع أن تفعله. كان الفايريل الواحد قادرًا على مجاراة مجموعة كاملة من الأفاريل، وكان الجنود يعرفون أن مواجهة واحد منهم تحتاج إلى ما يقارب عشرة من مقاتلي السماء حتى تتساوى الكفة.

لكن وجوده وحده أعاد إلى بعضهم إحساسًا ظنوا أنهم دفنوه مع نهاية الحرب.

تقدم آرين نصف خطوة، ثم توقف.

لم يأمره أحد بالبقاء في مكانه.

لم يكن بحاجة إلى أمر.

كان الجميع يعرفون أن أي حركة خاطئة قد تعيد إليهم الحرب التي ظنوا أنها انتهت.

ظل الفايريل واقفًا أمامهم، بينما كانت طاقته الداكنة تتجمع حول يده ببطء، وصوت أنفاس الجنود أصبح أوضح وسط ذلك الصمت الخانق.

أما سورِن، فظل يراقبه دون أن يتحدث.

ثم قال بصوت ثابت:

— أين المراقبون؟

لم يجب الفايريل.

فقط أبقى عينيه عليه للحظات، قبل أن تتحرك نظرته نحو بقية الجنود.

وفي مكان ما خلفه، تحرك ظل آخر بين الصخور، فالتفت سورِن نحوه دون أن يبعد عينيه عن الفايريل الواقف أمامه. لم يظهر شيء في البداية، وبقيت الفراغات الضيقة بين المرتفعات غارقة في السكون، حتى بدأ شكل آخر يتضح ببطء من العتمة. خرج فايريل ثانٍ من بين الصخور، كان أقل ضخامة من الأول، لكنه حمل الملامح نفسها التي جعلت وجودهما في هذا المكان يبدو كأنه عودة لشيء كان ينبغي أن يظل مدفونًا. انفتح جناحاه الأسودان قليلًا خلف ظهره قبل أن يستقرا من جديد، بينما ظلت عيناه الحمراوان تراقبان الفرقة من بعيد.

شعرت ميلا بأن الخوف الذي حاولت تجاهله منذ ظهور الفايريل الأول يزداد في صدرها. لم تعد تعرف أيهما تنظر إليه، فالأول يقف أمامهم دون أن يتحرك، والثاني يراقبهم من مسافة، وبينهما كانت الفرقة تبدو أصغر مما كانت عليه قبل لحظات. أما آرين، فظل قابضًا على سلاحه حتى آلمته أصابعه، محاولًا إقناع نفسه بأن وجود اثنين لا يعني بالضرورة أنهم في خطر، لكنه لم يستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في معدته.

نظر دارِن بين الفايريلين، ثم عاد ببصره إلى سورِن، وقال بصوت خافت لم يخرج منه إلا بصعوبة:

— هذا ليس موقع مراقبة...

لم يجبه سورِن.

ظل واقفًا في مكانه، يراقب الاثنين بحذر، وقد أدرك أن صمتهما أكثر إزعاجًا من أي هجوم كان يمكن أن يواجهوه. لو أرادوا مهاجمتهم، لفعلوا ذلك بالفعل، لكنهما بقيا حيث هما، يراقبانهم وكأن وجود الفرقة هنا لم يكن مفاجأة بالنسبة إليهما.

وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع أن اختفاء المراقبين لم يكن حادثًا عابرًا، وأنهم لم يصلوا إلى مكان مهجور فحسب؛ لقد دخلوا منطقة ما زالت تحمل آثار الحرب، وتخفي خلف صخورها أسرارًا لم تكن أفاراث مستعدة لمواجهتها بعد.

أما سورِن، فظل ينظر إلى الحدود الممتدة أمامه، محاولًا أن يفهم ما الذي حدث هنا، ولماذا اختفت وحدة كاملة من المراقبين دون أن تترك وراءها سوى آثار قليلة.

لم يتحرك الفايريلان.

ظل الأول واقفًا في مكانه، بينما بقي الثاني على مسافة منه، يراقب الفرقة وكأنهما ينتظران شيئًا.

ثم تحرك كل شيء في لحظة واحدة.

اندفع الفايريل الثاني بين الصخور بسرعة لم تمنح الجنود وقتًا كافيًا للاستعداد، فارتفعت أصوات الأسلحة، وتداخلت الأجنحة في الهواء الضيق بين المرتفعات. حاول آرين التصدي له، لكن الفايريل دفعه جانبًا بقوة جعلته يسقط فوق الأرض الرمادية، قبل أن يتقدم نحوه جندي آخر.

صرخ دارِن:

— تراجعوا!

لكن الفايريل لم يمنحهم فرصة لتنظيم صفوفهم. انطلقت من يده دفعة من الطاقة القاتمة، اندفعت عبر الممر الصخري بلون أحمر داكن، فاصطدمت بالأرض أمام الجنود وتناثرت شظايا من الصخور في الهواء.

تراجعت ميلا وهي تحاول حماية وجهها بذراعها، بينما اندفع سورِن إلى الأمام دون تفكير، ووقف بين الفايريل والجنود.

رفع يده، فانطلقت قوته في اللحظة نفسها.

اصطدمت الطاقتان في منتصف المسافة، واهتزت الأرض تحت أقدامهم. للحظة، أضاء المكان بوهج متداخل من قوتيهما قبل أن يتبدد، تاركًا وراءه سحابة من الغبار.

تراجع الفايريل خطوة.

لم ينتظر سورِن.

اندفع نحوه، وسلاحه في يده، وتلاقى الاثنان بين الصخور في اشتباك سريع لم يستطع الجنود أن يتابعوا تفاصيله كاملة. كانت ضربات سورِن دقيقة ومدروسة، بينما اعتمد الفايريل على قوته وسرعته، وكلما اصطدمت قوتهما، ارتجفت الصخور المحيطة بهما.

عاد الفايريل للهجوم.

هذه المرة كان أسرع.

تفادى سورِن الضربة الأولى، ثم الثانية، لكنه تأخر للحظة واحدة فقط.

مرت مخالب الفايريل بجانب كتفه، وشقت جزءًا من ثيابه والجلد تحته.

تراجع سورِن.

شعر بحرارة الدم تنساب تحت ثيابه.

لكن الذي جعله يتوقف لم يكن الألم.

كان ذلك الإحساس القديم.

الإحساس نفسه الذي عرفه منذ الحرب.

نبضة عميقة بدأت من مكان إصابته القديمة، ثم امتدت في جسده كأن شيئًا استيقظ فجأة تحت جلده.

تجمد للحظة.

لم يكن هذا أول مرة يشعر به.

منذ إصابته في الحرب، كان ذلك الشعور يأتيه أحيانًا دون سبب واضح؛ حرارة مفاجئة، يتبعها ألم خافت يختفي كما ظهر. لطالما اعتقد أنها مجرد آثار بقيت في جسده بعد المعركة.

لكنها الآن كانت مختلفة.

أقوى.

وأكثر قربًا.

رفع سورِن يده إلى كتفه دون أن يشعر.

كان الدم يخرج من الجرح الجديد، وفي اللحظة التي لامسه فيها شيء من الدم الداكن العالق على مخالب الفايريل، اشتعلت الحرارة داخله.

انحبس نفسه.

توسعت حدقتاه للحظة، وشعر بنبضة أخرى أقوى من سابقتها تضرب صدره.

لم يفهم ما يحدث.

ولم يمنحه الوقت ليفهم.

اندفع الفايريل نحوه من جديد.

رفع سورِن سلاحه في آخر لحظة، فاصطدمت الضربة به ودفعته إلى الخلف. اصطدم ظهره بأحد الصخور، وشعر بالألم يمتد عبر كتفه.

سمع صوت ميلا:

— سورِن!

دفع سورِن نفسه عن الصخر، واستعاد وقفته.

كان شيء ما قد تغير.

لم يعرف ما هو، لكنه شعر بقوته تتحرك داخله بسرعة لم يعتدها، وكأن جسده أصبح أكثر استعدادًا مما كان عليه قبل لحظات.

لم يسمح لنفسه بالتفكير.

اندفع من جديد.

هذه المرة تمكن من إصابة الفايريل في جانبه.

تراجع الكائن، وانخفض جناحه قليلًا.

رفع سورِن يده استعدادًا لضربة أخرى، لكن الفايريل الأول تدخل أخيرًا.

لم يهاجم.

فقط رفع يده، وانطلقت منه موجة مظلمة قطعت المسافة بينهما، فاصطدمت بالأرض أمام سورِن وأجبرته على التراجع.

التفت الفايريل الثاني إليه.

تبادلا نظرة قصيرة.

ثم قال الأول بصوت منخفض:

— يكفي.

لم يفهم الجنود سبب الكلمة.

لكن الفايريل الثاني تراجع.

ظل سورِن يراقبهما بحذر، والدم ما زال ينزف من كتفه، بينما كان ذلك الإحساس الغريب لا يزال يتحرك في جسده قبل أن يهدأ تدريجيًا.

قال دارِن وهو يقترب:

— هل أنت بخير؟

لم يجب سورِن فورًا.

نظر إلى يده، ثم إلى الجرح في كتفه.

— أنا بخير.

رفع عينيه إلى الفايريلين.

كانا يتراجعان ببطء بين الصخور.

لم يحاولا مهاجمتهم مرة أخرى.

لم يفهم سورِن السبب.

ولا فهم لماذا تركوا الطريق أمامهم.

ثم استدار الفايريل الأول واختفى خلف المرتفعات، وتبعه الفايريل الآخر حتى ابتلعتهما العتمة.

بقيت الفرقة في مكانها للحظات، عاجزة عن الحركة.

كان صدى الاشتباك لا يزال عالقًا بين الصخور، والغبار لم يهبط بالكامل بعد.

قال آرين وهو يلهث:

— لماذا تركونا؟

لم يجب أحد.

نظر سورِن إلى المكان الذي اختفى فيه الفايريلان، ثم قال:

— لا أعرف.

اقتربت ميلا منه.

— أنت تنزف.

نظر إلى كتفه.

لم يكن الجرح عميقًا، لكنه كان مؤلمًا.

قال دارِن:

— يجب أن نعود.

رفع سورِن عينيه إليه.

كان يعلم أنه على حق.

لقد عرفوا الآن أن الفايريل موجودون هنا، وأن الشرق لم يكن مهجورًا كما ظنوا.

نظر سورِن مرة أخيرة إلى الطريق الذي اختفى خلفه الفايريلان، ثم قال:

— سنعود إلى أفاراث.

لكن شيئًا واحدًا ظل عالقًا في ذهنه.

تلك الحرارة.

ذلك الشعور الذي بدأ مع إصابته في الحرب...

ثم عاد الآن، أقوى من أي وقت مضى.
 

إنضم
21 أغسطس 2026
رقم العضوية
15301
المشاركات
9
مستوى التفاعل
10
النقاط
3
توناتي
0
الجنس
أنثى
LV
0
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته~
أهلًا ومرحبًا بكِ ليورا.. نورتي المنتدى ونورتِ قسم القصص والروايات ق1ق1

بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن.. قرأت المقدمة فقط
فكرتك مبتكرة وبداية قوية جدًا، دخلتيني في أجواء الرواية من أول سطر، راقت لي إن الكوابيس ما كانت مجرد أحلام
بل بدأت تترك آثارها على الواقع لحد ما تحوّل الخوف نفسه إلى جزء من حياة البشر حز88..
حبيت التصاعد اللي شعرت فيه أثناء القراءة، وابدعتِ في إنك تجعلي مابين الأفاريل والفاييريل تاريخ كامل
بدل مايكون الصراع سطحي أو مجرد خير ضد شر—فكرة ذكية تُحسب لكِ ق1
وفكرة السقوط والتحوّل وربط الفاريل بمشاعر إنسانية من الخوف واليأس والكراهية والكوابيس كانت رهييبة وحسيتها أعطت عالم الرواية عمقًا من البداية، وجعلتني أتساءل عن حقيقة سقوطهم وما الذي دفعهم للوصول إلى هذه المرحلة؟؟

ثم تأتي النهاية لتقلب الإحساس كله!!!

قفلة موفقة جدًا لأنها ما أعطتني إحساس إن المقدمة انتهت، بالعكس تمامًا.. حسستني إن المقدمة الحقيقية لسه ما بدأت أصلاً جوجو1
سلمت يداك.. واضح عندك موهبة جميلة ماشاء الله في الكتابة وبناء الأفكار ش10ق1ق1
سردك في منتهى الروعة وبداية تشد فعلاً يا ليورا.. تم تقيمك وبالتوفيق لك في الرواية ليليث3ق6
وبحاول مرات تانية أرجع وأقرأ باقي الفصول إن شاء الله جوجو1


دمتِ في حفظ الله ورعايته~
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ور3ق1

أهلًا وسهلًا فيكِ، والله كلامك أسعدني جدًا، وشكرًا من قلبي على وقتك وعلى إنك ما اكتفيتي بقراءة المقدمة، لكن كمان كتبتي لي رأيك بالتفصيلياه1

بصراحة أكثر شيء فرحني في تعليقك إنك انتبهتِ للتفاصيل اللي كنت حريصة جدًا إنها توصل للقارئ من البداية، خصوصًا فكرة إن الكوابيس ما تكون مجرد أحلام عابرة، وإنما شيء بدأ يتجاوز حدود النوم ويترك أثره على حياة البشر وواقعهم. كنت حابة من البداية يكون الخوف نفسه جزء من عالم الرواية، مش مجرد نتيجة للحرب، وسعيدة جدًا إن الإحساس ده وصلكِ.ش2ق1

وكمان أسعدني جدًا إن فكرة الأفاريل والفاييريل وصلت لكِ بالشكل اللي كنت أقصده. كنت حريصة إن الصراع بينهم ما يكون مجرد صراع تقليدي بين الخير والشر، وإنما يكون وراءه تاريخ وأسباب وأحداث قديمة، وكل طرف له وجه آخر ما راح يظهر للقارئ من البداية. فما زال في أشياء كثيرة جدًا عنهم وعن الحرب والسقوط لم تُكشف بعد، وإن شاء الله مع الفصول القادمة تبدأ الصورة تتضح تدريجيًا.

وأكثر جملة علقت معي من تعليقك هي سؤالك: "ما الذي دفعهم للوصول إلى هذه المرحلة؟"
لأن هذا بالضبط واحد من الأسئلة اللي أتمنى الرواية تزرعه في ذهن القارئ من البداية، وألا يكون الحكم على الفاييريل أو حتى الأفاريل مبنيًا فقط على الصورة التي تظهر في البداية. هناك الكثير مما حدث قبل أن يصل العالم إلى الوضع الذي نراه الآن، وبعض الحقائق لن تكون كما تبدو في البداية 👀

أما كلامك عن النهاية وإنها خلتكِ تشعرين إن المقدمة الحقيقية لسه ما بدأت، فهذه كانت من أكثر الأشياء التي أسعدتني فعلًا ياه1 لأن هذا تحديدًا الشعور الذي كنت أتمنى أن تتركه المقدمة. أردت أن يشعر القارئ أن الحرب انتهت فعلًا، لكن آثارها لم تنتهِ، وأن ما نراه في البداية ليس إلا بداية لشيء أكبر بكثير.

وشكرًا جدًا على كلامك عن السرد وبناء الأفكار، خصوصًا إن الرواية بالنسبة لي عالم كبير جدًا، وما زلت أحاول أبني تفاصيله وأكشفه للقارئ خطوة بخطوة، فتعليقك أعطاني دفعة وحماس كبير جدًا إني أكمل وأحافظ على المستوى اللي تتوقعينه من الرواية aw1

وأتمنى فعلًا لما ترجعي تقرئي باقي الفصول إنك تلاقي فيها نفس الإحساس، ويمكن تلاقي إجابات لبعض الأسئلة اللي طرحتِها… أو تكتشفي إن بعض الإجابات نفسها تفتح أسئلة أكبر

شكرًا مرة ثانية على قراءتك وعلى التقييم الجميل وعلى الكلمات اللي فعلًا فرحتني وشجعتني جدًا.
نورتِ الرواية والقسم، وإن شاء الله تكون الفصول القادمة عند حسن ظنكِ ق1ق1
 

المتواجدون في هذا الموضوع

المواضيع المتشابهة

أعلى أسفل