ليس كل من كسر القيد، أصبح حُرًّا ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم اجعل لنا في كل خطوةٍ نخطوها خيرًا، وفي كل طريق نسلكه نورًا، وفي كل ضيق فرجًا وفي كل حزن جبرًا .

اللهم ارزق قلوبنا سكينة لا تزول، وأيامًا تحمل لنا من الخير ما يفوق أمنياتنا واغفر لنا ما مضى وبارك لنا فيما هو آت .

اللهم اجعلنا ممن إذا ضاقت بهم الدنيا وجدوا رحمتك أوسع، وإذا أثقلتهم الحياة وجدوا في قربك ملجأً وأمانًا .

اللهم اكتب لنا ولكم راحة تطمئن بها القلوب، وفرحًا لا يعقبه حزن وأيامًا أجمل مما نتمنى وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد .


سآخذكم معي في رحلة مختلفة قليلًا، رحلة لا تتحدث عن القوة كما نعرفها ولا عن الانتصار في المعارك .
بل عن شخصيات خرجت من الحرب لتبدأ أصعب معاركها معركة اكتشاف أنفسهم، بعد حصولهم على الحرية التي كانوا يطمحون إليها دائما .


أحيانًا لا يكون السجن جدرانًا، ولا يكون القيد سلسلة تلتف حول المعصم .
أحيانًا يكون السجن فكرة قديمة، وخوفا تربّى فينا حتى صار جزءًا من ملامحنا.
نقضي عمرا طويلا و نحن نحاول فتح ذلك الباب المغلق، نحلم باليوم الذي يفتح فيه و نتنفس أخيرا.
نقنع أنفسنا الهشة بأن العالم خلفه سيكون أجمل، نركض نحو الحرية و كأنها الخلاص و المنفذ الأخير.

نكسر القيود و نتخلى على أحبائنا، نهدم كل تلك الأبواب التي تمنعنا بكل قسوة، و نترك خلفنا كل ماكان يعيق طريقنا.

ثم ينفتح الباب، لا أحد يمنعنا من الرحيل ولا صوت يأمرنا بالبقاء و لا جدار يحاصر الطريق.
فقط طريق طويل يمتد أمامنا، واسعًا إلى حدٍّ مخيف وهنا تبدأ المأساة .

مأساة خفية في أن تمنح إنسانًا الشيء الذي قضى عمره يحلم به، ثم تتركه وحيدا أمامه.
إنسان يعرف يكره سجنه لكن لا يعرف كيف يحب العالم الخارجي .

يعرف الشيئ الذي يريد الهروب منه، لكن لم يعرف يوما الشيئ الذي يريد أن يصبح عليه .
شخص كان يملك ألف سبب للرحيل، لكن لا يملك ولو سببا واحدا للبقاء .

يكتشف بأن الهروب كان أسهل من الوصول، و أن كسر القفص لا يعني بالضرورة معرفة كيفية الطيران.
يكتشف حقيقة قاسية و هي أن الحرية هي مجرد صورة جميلة رسمها داخل عقله و هو خلف القضبان .


أما هي فحقيقتها كانت أثقل مما كان يستطيع تحملها، فهي لم تمنحه طريقا بقدر ما قدمته آلاف الوسائل و الطرق المختلفة .
أعطته للمرة الأولى في حياته سيطرة لاختيار طريقه الخاص و تحمل مسؤوليته .

هناك شخصيات أنمي رأيناها لم تكن تخاف الأسر بقدر ما كانت تخاف ما يأتي بعده .
شخصيات أراقت الدماء و قاتلت الجميع و ضحت بأحبائها من أجل قول جملة أنا حر .. فقط تخيلوا معي .

ما الذي نراه بعدها ؟ .. نفس الشخصية وقفت أمام اتساع العالم عاجزة عن الجواب على سؤال رغم بساطته فهو قاسي للغاية.
السؤال : ما الذي ستفعله مع هذه الحرية الآن ؟ .

حينما وصلت لغايتها و لحريتها الكاملة، لم تشعر بالنجاة بل بالفراغ الذي يتخلل لكيانها .
لأن القيود التي نضعها لأنفسنا مهما كانت قاسية، فهي على الأقل تعطي لصاحبها حدودا يمشي من خلالها .

أما الحرية فهي تنتزع منا كل تلك الحدود دفعة واحدة و تتركنا بدون مبادئ أو تقنين لتصرفاتنا .
لا أحد يأمرنا و لا أحد يختار عنا، و الأهم لا نشعر بتباعيات قراراتنا و لا نتحملها سواء كانت خاطئة أو صائبة .


ليكتشف الإنسان شيئا أكثر رعبا من السجن نفسه، أنه أصبح حرا ليتحمل مسؤولية كل ما سيصبح عليه .
في الأنمي ليست كل شخصية قد تحررت من قيودها قد تحررت حقا و حصلت على الحرية التي كانت تبتغيها .

بعضهم خرج من السجن أخيرا لكن حمل السجن معه، بعضهم كان هدفه التحرر من الآخرين فلم يتحرر من نفسه و فقدها .
هناك شخصيات أخرى رأينها طوال رحلتها تركض بكل قوتها نحو اختراق لجدار السجن النفسي .

حتى اكتشفت بعد فوات الأوان بأنها لم تكن تبحث عن الحرية نفسها بقدر ما كانت تريد طريقا تسلكه ينسيها في معاناتها .

في العديد من أعمال الأنمي كانت رسائل الحرية متنوعة و تخاطبنا كمشاهدين .
تعطينا مشاهدا مختلفة و أليمة و كل قصة كانت خلفها آلالف من المعاناة و الألم .


كأنها لا تسألنا كيف نتحرر ؟ .. بل تطرح سؤالا أعقد و أصعب بكثير على المشاهد .
عندما تكون حرًا تمامًا، من تكون ؟ عندما لا تجد شخصا يخبرك من تكون .. لأنك فقدت الجميع لتحقيق حريتك المزيفة .

أصعب شيئ في الحرية ليس أن تكسر القيد، بل أن تعرف من تكون حقا بعد أن يسقط ذلك القيد .

التعديل الأخير: