جلسة 2
المذيع: مرحباً بكم في جلسة أخرى مع ضيفنا السابق، سنحاول أن نستكمل ما بدأناه المرة السابقة، ولكن قبل ذلك أدركت أننا لم نقم بتعريف بعد بضيفنا الكريم، فهلاّ عرفت عن نفسك؟
الضيف: لا داعي لذلك، ودعنا نتطرق الى ما كنا فيه.
المذيع: ليس من آداب اللقاءات عدم التعريف.
الضيف: وليس من الآداب أن تنسى ذلك المرة السابقة أيضاً. نحن متعادلان.
المذيع، أوه لقد فهمت، أنت تخجل من تقديم نفسك.
الضيف: بل لا أعرف ماذا أقول، لست معتاداً على مشاركة نفسي أمام أحد، أو الحديث عنها.
المذيع: حسناً، دعنا نخصص لهذا الأمر جلسة لاحقة، ونستكمل ما سبق.
الضيف: أخبرك لا أعرف ما أقول وأنت تخصص جلسة كاملة عني؟!
المذيع: في المرة السابقة، لقد تحدثنا عن حقيقة الحياة، وكيف يمكن أن تدرك بنقضيها، وتطرقنا الى كيف يمكن أن نستشعر بها، أو بالاحرى محاولة الشعور بذلك، كما ذكرنا تلك الاسئلة الوجودية التي عليها يتحمور جزء كبير من معرفة الانسان، واستطردنا مسألة الفلسفة وماهيتها. لقد كانت جلسة مثرية. دعنا نتحدث بإيجاز عن باقي الأسئلة الأربعة. ما رأيك؟
الضيف: نعم، المرة السابقة حديثنا كان تحت مظلة السؤال الثالث، وهو سؤال: أين أنا؟ ، ولكي نربط المعلومات ببعض، علينا الحديث أولا عن ما هى علاقات معارف البشرية بتلك الاسئلة.
المذيع: إرتباط الاسئلة بالمعارف البشرية؟ يبدو أمراً معقداً.
الضيف: سنحاول نبسطه، حتى وان كان تبسيط مخلاً، المهم أن يمتلك المشاهد تصور عام ضبابياً يساعده على اعادة النظر في العلوم، وأظن هذا سيكون مفيداً للمشاهدين الذين يتعاملون يومياً مع العلوم، مثل الطلاب المدارس والجامعات. هذه المعلومات قد تكون مفيدة لهم.
المذيع: اذن من أين نبدأ؟
الضيف: حسناً، دعنا نعرف ما هى تصورات عن الانسان وعلومه بشكل عام، ما يهمنا حالياً هو التصور الغربي كونه هو التصور لدى الحضارة القوية والغالبة في هذا الزمن، والذي جميعاً تعلمنا منذ صغرنا على هذا التصور، بدون ان نعي ومناهجنا للان مستمدة منه.
التصور الغربي ليس تصور موحد، فهنالك تصورات عدّة، لكن سنختار اليوم هو أرجح تلك التصورات وأقلها تطرفاً، وهو تصور
الثقافات الثلاث.
المذيع: تصور الثقافات الثلاث؟ ماذا يعني بالضبط؟
الضيف: هل التصور برأيي هو التصور الشائع في الغرب وان كان ليس المهين في البيئة الأكاديمية، هل المصطلح مني شخصياً وليس تصور رسمي، اقتبسته من كتاب بنفس الإسم للمؤلف الأمريكي غيروم كاغان، الكتاب محاولة لطرح تصور الانسان في هذا الزمن عليه أن يشتمل على ثقافات عدة وليس ثقافة واحدة، والثقافة هنا مقصود بها المعرفة وليس الثقافة بمعناها الشائع فقط، أي مقصده أن تكون المعارف والعلوم بالنسبة للناس أشبه بالثقافة من باب الأمور المحببة للنفس والرغبة في الاطلاع وقراءتها، فكما ان هنالك البعض يحب الروايات، والبعض المسلسلات، والاغاني وخلافه، وهذه تكون جزء كبير من اهتمامات الفرد وقد تؤثر في شخصيته، كذلك الأمر في العلوم، يحاول أن يصّور أن المعارف عليها أن تتعامل كما أن نتعامل مع الامور اليومية في حياتنا، وليس لغرض مدرسي او لشهادة أو لقبول في عمل لاجل تأمين المستقبل. بل كثقافة، فقد تجد البعض يفضلون المعرفة في علم النفس والبعض في اللغات الشرقية، فتنوع الميول للعلوم مثل تنوع الناس في الافلام.
المذيع: ما تحاول قوله أن التعامل مع العلوم عليه أن يكون ذا طبيعية ثقافية محببة الى النفس كحال السياقات الترفيهية، اليس كذلك؟
الضيف: هذا ما يحاول قوله، بل يحاول كذلك، ان هذا العصر أن تحصل على ثقافة واحدة (علوم في فضاء معرفي مشترك) أمر غير موفق، بل عليك أن تتحلى بأكثر من ثقافة، لأجل التكاملية.
المذيع، مهلاً الأمور صارت تتعقد؟ هلاّ وضحت أكثر.
الضيف: بالمثال يتضح المقال، الثقاقات الثلاث المقصودة في الكتاب هى: الثقافة انسانية من العلوم الانسانية، والثقافة طبيعية من العلوم الطبيعية، وثفافة لغوية من اللغات وعلومها، فالمؤلف يقصد أنه عليك أن تحصد من كل يستان زهرة، ولا تكتفي من بستان واحد، عليك ان تحصل على بعض العلوم في الفضاء الإنساني واللغوي والطبيعي، فمثلاً ربما تهتم بالتاريخ وتتعلم الاسبانية وكذلك مهتم بالرياضيات مثلاً، المقصد أن تفتح صدرك على العلوم في التصفح والتعلم بل والدراسة المنهجية لها. ولنا في هذا التفصيل لقاء أخر. لكن ما أود الاشارة هنا عليه أن هذه التقسيمة صحيحة بالنسبة لهم وليس لنا.
المذيع: لماذا ليست صحيحة، أرها قد أحتوت على أغلب المعارف؟
الضيف: لا، فنحن لو أردنا أن نأخذ نفس التصور، فلن نأخذه تقليدأ بل سنحاول تسكينه في الاطار المعرفي الخاص بنا، وهذا شخصياً ما أنتمي اليه، هو أنهم هم ينادون ثقافات ثلاث، أما نحن علينا أن ننادي بثقافات أربعة وزيادة.
المذيع: مهلاً، أشعر بأننا تطرقنا بعيداً عن موضوع الجلسة، هلاّ ختمت هذه النقطة ونعود؟
الضيف: لم نذهب بعيداً، كان هذا تمهيداً، لكن لا بأس، كدنا ننتهي، ما أقصده بالثقافات الأربعة هو اضافة عنصر الرابع: الثقافة الشرعية، فهى حلقة الوصول ان صح التعبير بين الثقافات الثلاث بالنسبة لنا، فهم لديهم الثقافات ولكن ليس لديهم علاقة ببعضهم البعض أما نحن، فلدينا.
ولأكون دقيقاً وكما يتصور البعض للأسف بسبب الاصطلاح الرسمي للبعض الجهات في بلادنا، عندما نقول العلوم الاسلامية نظن انها حصراً العلوم الشرعية، وهذا غير صحيح، العلوم الاسلامية هى الثقافات الأربعة معا، العلوم الطبيعية واللغوية والشرعية والانسانية.
المذيع: ما هذا الادعاء الكبير! العلوم الاسلامية هى كل العلوم؟ كيف هذا؟
الضيف: ببساطة أن العلوم الاسلامية هى العلوم التي علمها الله للانسان في سبيل تحقيق المراد النهائي لتواجده.
المذيع: تقصد سبب الخلق؟ العبادة؟
الضيف: نعم، هذه الاجابة المختصرة. أما الاجابة الشارحة لها، هى الاسئلة الوجودية الكبرى.
المذيع: أصبح الأمر معقداً.
الضيف: إن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان و وضعه، في الارض لغاية ومراد الله سبحانه، فنحن الان باختصار شديد. لدينا كم عنصر في هذا المشهد؟
المذيع: هممم، الله سبحانه وتعالى، الانسان، الأرض؟
الضيف، تماماً، كل عنصر من هذا عليه أن يتعرف عليه الانسان ليصل الى مراد الله، لذا عليك أن تعرف نفسك جيدأ كإنسان لذا وجدت العلوم الانسانية، وعليك ان تتعرف على هذا الكوكب الذي تعيش فيه، فوجدت العلوم الطبيعية، وكذلك عليك أن تتعرف على الله سبحانه وتعالى ولهذا أنزل الله سبحانه وتعالى الوحي لتتعرف عليه وتفهم هذا الرسالة وجعلها هى الرسالة الخاتمة، سبحانه وتعالى ارسل لك البوصلة والرسالة من حقيقة كل هذا، أما الجانب الاخير، هو اللغة، هى العلوم الحاكمة على الادراك، فمن دون اللغة لن تفهم الوحي ولا الانسان الاخر ولا تعرف على الكون بشكل سليم، ولذلك علماء اللغة والتاريخ يقولون: اللغة شرط ما قبلي للتجمع البشري. أي سابق لأي شيء اخر، ومنشأة اللغة شبه إجماع أنها من الله سبحانه في قوله تعالى
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا )
وما يجمع هذا العلوم الأربعة هى إسلاميتها. لذلك فهى علوم إسلامية في المقام الأول، وقد يتساءل المشاهد، كيف إسلامية وبعضها قد أسسه ويدرسه ويتفوق فيه أشخاص لا يؤمنون بالله ولا اليوم الاخر؟ وإجابة هذا السؤال في لقاء أخر. على كل حال، هل الأمور صارت أكثر وضوحاً؟
المذيع: إذن العلوم كلها إسلامية اذا كانت لديك البوصلة الالهية التي تجعلك تراها وتعرف غرضها موقعها في رسالتك في هذا الكون، لو فقدت هذه البوصلة او لا تملكها، ستظل تدرسها وتؤسسها لكن بخلاف الهدف الاساسي، قد يكون بهدف الشهرة، المكانة، المال، الفضول البشري، الهيمنة السياسية والتفوق الاقتصادي؟
الضيف: واو، لقد فهمت وكذلك أجبت جزء من السؤال الذي تركته، هل كنت تدعي انك لم تفهم؟
المذيع: بل هذا ما استنتجته من كلامك؟ لكن ما علاقة كل هذا بالاسئلة الوجودية؟
الضيف: الاسئلة الوجودية، لا يمكن للانسان ان يجاوب عنها من نفسه، فكل الاجابات لم تكن صحيحة، ولم تجعله قادر على ادراك الحياة على حقيقتها، لذا رحمة الله للعالمين، أرسل لنا النبي الأخير ليكون لنا هدى ويعيد الرسالة الالهية بعد ان انحرفت بعد سيدنا عيسى، الوحي يجاوب على الاسئلة الوجودية كالتالي:
- من أنا؟
أنت إنسان من خلق الله سبحانه وتعالى، من أكرم المخلوقات الله سبحانه وتعالى. كرمك وعلمك وأمر الملائكة تسجدك، وخلقك بنفخة من روحه سبحانه.
- أين أنا؟
أنت في الدار الفانية، الدار التي جعلها الله دار ابتلاء واختبار، ليختبر فيها البشر، لمراد له سبحانه، وأمر فيها بعبادته و وضع الشرائع والأوامر، ومثل الله والناس كمثل الملك وأمرائه على البلاد، حيث أرسل لهم رسول مع رسالة، وأمر لهم بأوامر فيها فمن اتبعها فقد نجا، ولم خالفها استحق عذابي، ولك الحرية، وفي نهاية الرسالة أخبرك انه قادم اليك لا محالة وملاقيه يوماً ما ليسألك عما فعلته.
- من أين أتيت؟
أتيت من نسل أدم وحواء، وكان موطنهم الأصلي الجنة، ولكن تم اجلائهم الى هذه الارض لمراد الله وحكمته في خلقه.
- الى أين المنتهي؟
المنتهي ان تخرج من قاعة الامتحان هذه، بعد ان تسحب ورقة اجابتك، وتخرج منها، فاما تخرج منه وتحصل الى اجازة وعطلة ابدية وسعادة ليس بعدها سعادة، او ان تخرج منها معتقلاً مغلغلاً بالسلاسل أعاذنا الله واياكم. لذا أفضل طريقة للتعامل مع القاعة الاختبار، هو ان تركز على الاجابة الصحيحة، وان تعرف ان هذه قاعة امتحان، وليس منزلك الاصلي.
هذه هى الاجابات الحقيقة لتلك الاسئلة ما سواها، فهو وهم يحاول ان يخادع الانسان به نفسه،.
وتلك الاجابات الصحيحة، لن تعرفها الا بدراسة المواد الدراسية التي يتضمنها هذه الاسئلة، وتلك الموارد الدراسية بتوصيف مخل يمكن القول بأنها تلك
العلوم الاسلامية.
المذيغ: اذن كل شيء مترابط، ياله من أمر مذهل، اذن الفيزياء لها علاقة بالنحو؟ والتاريخ له علاقة بالكيمياء مثلا؟
الضيف: لقد جلبت أمثلة متطرفة، مع ذلك نعم، ولنجعل ما اقوله هو ختام هذه الجلسة.
كل شيء مرتبط لان البوصلة واحدة، الامر أشبه بشبكة كبيرة والوجهه واحدة.
لقد وضعنا الله سبحانه في هذه الأرض فنحن مطلوبون في معرفة عنها أكثر فحاولنا معرفة أكثر بدراسة الاجسام وسرعتها (الفيزياء) وبمحاول فهم المادة نفسها وتفاعلاتها مع بعضها (الكيمياء) وفهم كيف تعيش الكائنات الحية (الاحياء) وكيف هى الاجرام السماوية التي تدور حولنا (الفلك) وغيرها.
وكذلك أمرنا بمعرفة أكثر عن أنفسنا وكما قال علماء التصوف السني:
من لا يعرف نفسه، لا يعرف ربه. فحاول الانسان يعرف مشاكله واضطراباته (علم النفس) ويفهم كيف يتفاعل الانسان مع بعضهم (علم الاجتماع) كيف تدار الامور التجاربة والمالية (علم الاقتصاد) وكيف يديرون بعضهم البعض (السياسة) وغيرهم.
وكذلك في دراسة اللغات وحفظها بوضع علوم لفهم أصلها مثل النحو (علم دراسة الحركة الحرف الاخير من الكلام) والصرف (دراسة البينة الاشتقاقية للكلام) والبلاغة (فهم التصورات المعنوية للغة) وغيرها.
أما عن علوم الشريعة فالأمر مختلف، فهى العلوم مصدرها الاساسي (القران والسنة) ليسوا معارف بشرية، بل وحي الهي، ومنها تشققت كل العلوم الشرعية لمحاولة فهمه وحفظه ودراسته وتمثله كما كان في الجيل الأول.
فوضع علم التجويد لمحاولة حفظ الصوت الصحيح لنطق القران، حتى تصل بعد 14 قرن وتقسم أنك تقرأه كما كان النبي يقرأه
وعلوم الحديث كافة، حتى تصل بعد 14 قرن وتقول بمنتهي السهولة قال رسول الله كذا وكذا. ويصل لك قول النبي الصحيح بدون اي تزييف باتساع المدة
وعلوم التفسير لحفظ فهم الصحابة والاصول المنهجية للتعامل مع القران كما كان الصحابة
أما في الفقه، فالأمر عجيب، هو علم للحفاظ على طريقةومنهج فهم الجيل الاول للوحي، حتى لا ياتي احد يفهم خلاف ما اراده الله
كل علوم الشرعية أوجدها المسلمين:
للعودة الى الأمر الأول. للحفاظ على الصورة والشكل التي كان عليه الوحي في القرون الاولى.
واختم بهذه الخريطة التي قد توضح جزء كبير من جلسة اليوم.