لا وجود لكلمات أو جمل تصف جمال موضوعك هند تشان ، هناك أنميات عديدة تروي قصة عن الإنتقام ، لكن مونت كريستو يجعلك تتسائل هل الإنتقام يمنح صاحبه الراحة و الطمأنينة ؟ أم يتحول فقط إلى سجن لماضيه .
ما شاء الله تبارك الرحمان ، موضوع يفيض بالإبداع في كل أركانه .
مرشح للترقية : إداري | ماسي .
حين تصبح العدالة وجهًا آخر للانتقام.. هل سمعت من قبل عن “عدالة لا تُغتفر“؟ َحينتفقد العدالة معناها.. عندما تتحوّل إلى عدالة لا تهدف إلى انصافالمظلوم ولا إلى إرجاع الحق إلى أصحابة عدالةٌ تحاكم الجريمة.. ثم ترتكب مثلها عدالةٌ تحاكم المذنب.. ثم تدفع صاحبها إلى أن يصبح شبيهًا به عدالةٌ جرّت صاحبها إلى الظلام نفسه الذي أراد القضاء عليه
أيُّ قسوةٍ اختبأت خلف تلك العدالة.. وبأيّ برودٍ نُفّذت؟
أيُّ قسوةٍ تلك التي تُنتزع فيها المشاعر من الفؤاد،فتحلُّ مكانها الكراهية، ويصبح صاحبُها أسيرًا للثأر.. ليغدو إنسانًا آخر مكبّلاً بالحقد والغل،
لا يرى أمامه سوى تحطيم من ظلموه، ولا يأبه بأنه سيلتهم جزءًا من نفسه، حتى يفقد ذاته!!
في هذه الحكاية سنتحدث عن واحدة من أكثر الشخصيات الأدبيةتعقيدًا التي ستسمعون عنها والتي لا تزال تُثير التساؤلات ويستمر صداها حتى يومنا هذا. و لن نتحدث عن الخيانة والانتقام فقط، بل سنغوص في بقايا إنسانٍ سُلب منه كلُّ شيء، ليحاول لملمة أنقاض نفسه واستعادة ما تبقّى منها. أدعوكم إلى رحلة في أعماق رجلٍ ظنّ الجميع أنه انتصر..
حتى اكتشف أن أشدَّ أعدائه لم يكن سوى نفسه!
✦ المقدمة ✦ الفصل الأول | أول صفحات الحكاية ✦ الفصل الثاني | رسائل لم تُكتب ومشاعر لم تُقل ✦ الفصل الثالث | بين إدموند والكونت.. وجهان لحكاية واحدة ✦ الفصل الرابع | ما وراء الحكاية: تفاصيل صنعت المشهد ✦ الفصل الخامس | الحكاية من منظور إيماني ✦ الفصل السادس | ملخص الحكاية وروابط التحميل ✦ الفصل الأخير | حين يُسدل الستار.. ويبقى صدى الحكاية ✦ الخاتمة
أنا الرجل الذي خرج من بين رمادالماضي، الرجل الذي عجز الجميع عن الوقوف أمامه هيبتي لم تكن مجرد حضور، بل كانت كفيلةً بإرعابخصومي.
أما عمقي فكان أكثر هيبةً من انتقامي.. عمقٌ تجاوز كل الحدود.. سأبوح لكم اليوم بالخفايا التي ربما لم تلتفتوا إليها من قبل
وعن المأساة التي سلبت مني حياتي القديمة، وصنعت مني هذا الرجل الذي عُرف باسم “الكونت” سأبحر معكم في رسائل لم تُكتب، ومشاعر لم تُقل، وفي حوارٍ مع القدر، وتفاصيل صنعت هذه الحكاية. اليوم أنا الكونت.. أقف فوق أنقاض إدمونددانتيس..
كرنفال الموت وبداية اللقاء.. حينما تتحول العدالة إلى لعبة ومصير معلّق بين أيدي القدر
تبدأ الحكاية في كرنفال لونا حين التقيتُ بروحٍيافعة بدت كأنها بداية أول خيطٍ في طريقٍ رسمته للانتقام.
حينما دعوت ألبير وصديقه فرانز إلى وليمة.. وحين سلّم عليّ ألبير لاحظ أن يدي باردة بشكل غريب كأنني رجلٌميت لا ينتمي إلى عالم الأحياء.
ثم يأتي المشهد المهيب...
حين قدّمت لهم رسالة عفو صادرة من الكاردينال-رجل دين ذات نفوذ عالي بالكنيسة- الرسالة كانت لأحد الثلاثة المحكوم عليهم بالإعدام، لكن الاختيار سيكون ورقة واحدة فقط وعلى الأوراق كُتب أول حرف من أسماء المتهمين الثلاثة، طلبت منهم اختيار بطاقة واحدة، لكن فرانز رفض الدخول في هذه اللعبة، بينما ألبير-وقد بدا عليه الارتباك-يبدأ بالتردد والتفكير
لكنني ضغطت عليهم قائلاً: لماذا التردد في استخدام هذه القوة في الخير؟
لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك..
فالأوراق الثلاث تحمل اسم شخص واحد فقط، وهو من قرّرتالعفو عنه، ذلك الأكثر إجرامًا بينهم.. وبالفعل اختار ألبير الورقة لتكون نجاة الرجل الذي اعترف قبل لحظات أمام الجميع بارتكاب جرائم قتلٍ لنساءٍ وأطفال!! فتُرفع المقصلة عن رقبته وينجو.. أما الآخر البريءالمسكين.. فقد بقي مصيرهمُعّلق في الظلام!!
ومن هنا كأن الزمن توقف أمام اللعبة التي أدارها الكونتببرودٍ أشبه بالموت تحوّل مصير إنسانٍ كامل إلى ورقةٍ لا وزن لها، رغم أن نتيجتها مُرتبة مسبقًا.. كيف يمكن لورقةٍواحدة أن تفصل بين الحياة والموت بهذا الشكل القاسي!! وهنا يكمن السؤال: كيف صارت العدالة أداةً عبث في يد القدر؟!
رسائل إلى من عاش بين إدموند والكونت.. بين القلب الذي كان والقسوة التي صارت!
من إدموند إلى الكونت..
إلى من سلبني ذلك القلب الذي كان يعرف معنى الحبوالحلم الحقيقي.. أوهمتني أن قوة جانكوتسو والانتقام الذي ستمنحني إياه هما الطريق إلى السعادة، وأن العدالة التي أبحث عنها ستعيد إليّ ما فقدته.. لكن بئس تلك السعادة التي كان ثمنها كل شيء.. سلبت مني روحي وحرمتني من الإنسان الذي كنت عليه!!
قلت لي:"ثق بي.. فهذه العدالة ستمنحك السلام" فأي سلام ذلك الذي كنت تتحدث عنه؟ أي سلام يترك في داخلي حربًا لا تهدأ وفراغ قاتل لا يمتلئ؟ عشت أسوأ أيام حياتي خلف جدران قلعة إيف، ظننت أن المعاناة انتهت حين ظهرت أنت.. لكنك لم تنقذني، بل سلبت مني إنسانيتي وجعلتني مجرد جسد تحركه الكراهية، خاليًا من كل المشاعر التي كانت تجعلني إدموند لقد منحتني القوة.. لكنك أخذت مني نفسي. فهل انتصرت حقًا؟ أم أنك جعلتني أخسر الشيء الوحيد الذي كان يستحق أن أقاتل من أجله؟
▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
من الكونت إلى إدموند...
سامحني يا إدموند.. كنت أظن أنني أملك كل شيء؛ المال والنفوذ والقوة التي تجعلني فوق الجميع لكنني اكتشفت في النهاية أنني كنت أفقر منك.. فأنت امتلكت شيئًا لم أعرفه يومًا، شيئًا عجزت كل قوتي عن منحه لي.. قدرتك على الحب كنت أظن أن قلبك هو ما يمثّل ضعفك، وأن مشاعرك ستجعلك عاجزًا أمام قسوة هذا العالم.. لكن يا للأسف.. كان هذا القلب هو الشيء الوحيد الذي لم أستطع امتلاكه!
لقد سلبتُ منك أعظم ما كنت تملك.. سلبتُ منك قلبك وأخذتك إلى طريق ظننت أنه سيمنحك كل شيء، لكنه في النهاية جرّدني أنا من مشاعري وسلب مني كل شيء.. حتى حياتي.. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
من الكونت إلى مرسيدس..
إلى المرأة التي لم أحب غيرها في هذه الحياة.. إلى من آمنتِ بي رغم تحولي إلى شخص تحكمه الكراهية وما زلتِ تحاولين استعادتي كما كنت.. حاولتِ مرارًا إيقاظإنسانيتي التي كنت عليها، وإعادة ذلك الإدموند الذي أخفيته خلف قناع الكونت.. لكن لم يكن غضبي منك، بل من العالم الذي سلبني حياتي ومن نفسي التي فقدتها في طريق الانتقام
على العكس.. كنت أستمتع بكل لحظة أقضيها بجوارك، حتى وإن لم أُظهر لك ذلك.. كانت لحظات قليلة تعيد إليّ شيئًا من إدموند القديم، ذلك الإنسان الذي ظننت أنني فقدته إلى الأبد كان قلبي يدق لرؤيتك، وكنت أحاول إخفاء ذلك خلف قناع القسوة والبرود الذي أظهرتُه لك..
ربما أخفيت مشاعري خلف قناع الكونت، لكن قلبي كان يعرف دائمًا أنك الشخص الوحيد الذي لم يغادره أبدًا! ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
من الكونت إلى إيدي..
أميرتي إيدي.. كنتِ رفيقتي الوحيدة والأوفى في رحلتي الطويلة أقسمتِ ألا تتركيني، حتى حين سرتُ في ظلامي، اخترتِ أن تسيري خلفي رغم كل شيء. ورغم ذلك كنتِ تحاولين أحيانًا إيقافي بدافع إنسانيتكِ لأنكِ كنتِ تؤمنين بوجود إنسان بداخلي، ذلك الإنسان الذي ظن الجميع أنه اختفى خلف قناع الكونت.
اعترفتِ لي بحبك، وقلتِ إنني الشخص الوحيد الذي أحببتِه في هذا العالم..
لكنني وقتها لم أستطع سماع كلماتك، فقد كان جانكوتسو يسيطر عليّ ويغلق قلبي عن كل شعور لكنني اليوم أعلنها أمام الجميع.. لو لم يكن ذلك الظلام مسيطرًا عليّ،ربماكنتُ بادلتكِ المشاعر نفسها.. أدرك أنكِ لم تكوني تريدين خسارة شخصٍ تحبينه مرةً أخرى.. كما حدث مع والدك لكن يا عزيزتي هذا كان قدري.. قدر الرجل الذي عاش طويلاً في الظلام، ولم يجد أمامه سوى هذا الطريق الذي اختاره للانتقام إيدي.. أدين لكِ باعتذار.. لأنني رغم وفائك وتمسّكك بي لم أستطع أن أرى قلبك إلا بعد أن ابتعدتُ عن نفسي..
▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
منّي إلى إدموند.. رسالة القسوة إلى ذاك القلب الذي لم تلوّثه قذارات البشر.. القلب الذي عرف معنى المشاعر، لكنه لم يدرك قسوة العالم
أتعجب منك يا إدموند.. كيف كان لك أن تؤمن بالحب والثقة؟ كيف لم تدرك ذلك العالم القذر الذي لا يعرف إلا المصالح؟ عالم لا يعترف إلا بالنفوذ ولا يرى في العلاقات إلا وسيلة للبقاء أو السقوط
كيف انخدعت بهؤلاء “النبلاء” الذين لا يعرفون من النبالة إلا اسمها، ويجيدون ارتداءها كما تُرتدى الأقنعة؟ ألم ترَ الخناجر التي تختبئ خلف الابتسامات المزيفة؟
العالم يا صديقي ليس ورديًا كما ظننت.
. أخطأت حين ظننت أن الخير يُكافأ والشر يُعاقب!
فالقلوب ليست دائمًا كما تبدو.. بعضها مظلم، حقود ويغار من كل ما هو جميل.
تعلّم أن تحافظ على ما تحب.. فلو لم تفعل سيُسلب منك كل شيء كما سُلبت منك مرسيديس.. ليس لأن الحياة قاسية فقط، بل لأنك توقفت لحظة عن حمايتها.. فلحظة واحدة كافية لتغيير كل شيء. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
منّي إلى الكونت..
إليك يا من توهّمت بالعدالة.. حتى أسرتك وخدعتك باسمها “العدالة“ أتعلم أيها الكونت.. أكثر ما يُرهق الإنسان ليس طول الطريق، وإنما كل ما يفقده في هذا الطريق.. فقدتُ معاني كثيرة، وكأن العدالة كانت مجرد اسم بلا معنى.. شيء فقد روحه
لم تحقق العدالة، بل دمرت كل شيء. أي عدالة تلك التي تتركك بعدها فاقدًا لكل شيء.. حتى نفسك؟ عدالة مزيفة كنتَ تُقنع نفسك بها، لكنها أوصلتك إلى فراغأسود.. لم أعد أعرف فيه أين البداية من النهاية..
أدرك أنك لم تكن وحشًا.. بل إنسانًا جريحًا تكالبت عليه الحياة من كل جانب، إنسان سُلب منه كل شيء حتى لم يبقَ له سوى الألم والرغبة في استعادة ما فُقد. لكن أخبرني يا كونت.. في النهاية ماذا حدث؟ هل زال ألمك حقًا؟ هل استطعت أن تعيش بسلام بعد أن انتهى طريق الانتقام؟ أم أن خروج قوة جانكوتسو منك، تلك القوة التي أوهمتك أنها ستعيد لك حياتك، جعلتك تكتشف أنك فقدت كل شيء؟ حتى حياتك سُلبت منك!!! فأي انتصار هذا الذي يعطيك القوة لإسقاط اعدائك لكنه يأخذ منك حياتك ؟ أعلم أن كلماتي قاسية.. لكن الحقيقة أحيانًا تكون أقسى من كل الجراح فبعض الانتصارات لا تأتي إلا بعد أن نخسر أنفسنا،وبعض الطرق التي نظن أنها ستقودنا إلى الخلاص لا تأخذنا إلا إلى فراغ أكبر.
لا أنكر أنني أحببتك..أحببتك منذ البداية وتعاطفت معك لأن أكثر ما أكرهه هو الاستعلاء وظلم الأبرياء.
عشت قصتك معك وكأنني كنت مكانك، شعرت بمرارة الظلم الذي عشته وبالألم الذي حملته في صمت. رأيت الإنسان المكسور خلف تلك القوة، رأيت إدموند الذي سُلبت منه حياته وأحلامه قبل أن يصبح الكونت
ولهذا يؤلمنيبشدة أن أراك تتحوّل إلى شخص آخر، أن تضيع منك تلك الروح التي أحببتها!! فبعد كل هذا العناء.. وبعد كل الانتصارات التي حققتها على أعدائك، أراك طريح أرض المعركة تلفظ أنفاسك الأخيرة حتى الحياة لم تمنحك لحظة واحدة لتتذوق طعم انتصارك. لقد أخذت منك سعادتك وسلامك قبل أن تأخذ منك قدرتك على الاستمرار والعيش..
رحلتَ وتحمل معك ندوبًا بقيت تنزف في أعماقك.. ندوبًا شاهدة على كل ما فقدته، وعلى الإنسان الذي اضطررت أن تصبح عليه!!
إدموند دانتيس.. حين كان للحب موطن قبل أن يولد الكونت من الألم!
-قل لي ماهو الحب الذي كنت تدّعيه.. وتلك المشاعر؟؟
صدقتَ حين قلتَ أنني كنتُ أدّعيه.. نعم كنتُ أدّعي الحب البريء والمشاعر الصافية التي لا تشوبها شائبة أحببت مرسيدس بصدق أعمى، وكأنها آخر أنثى في هذا العالم! كالاستثناءالوحيد وسط كل هذا الخراب. لكنني الآن أدركتُ أن لا معنى لفكرة الحب النقي في هذا العالم الملوّث. كيف يمكن أن يوجد شيء نقي في عالمٍ متّسخ من الأساس؟ حتى الحب الذي ظننته استثناء خذلني وتأكدتُ أن هذا العالم لن يُطهّر بالحب كما كنت اتصوّر يومًا.. عالمٍ كلما رأى البياض حاول تلويثه، حتى لا تنفضح قذارته أمام النقاء..
أشعر بك يا إدموند.. فأنا كهند أقابل أحيانًا اشخاص يحاولون تلويث كل ما فيّ من جمال، فقط لأن وجودي يفضح اتساخهم! وهنا تأكدتُ إن هناك من لا يعرف كيف يتعامل مع الجمال إلا بالتشويه، واحيانًا يكون بدافع الغيرة أو لأن فيك شيء لا يستطيعون أن يكونوه فلا بأس يا إدموند.. فهذه طبيعة هذا العالم-إلا من رحم ربي- ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-لو عاد بك الزمن هل ستختار الحب مرة أخرى؟
نعم سأختاره..ليس لأن نهايته هانئة، بل لأن قلب إدموند لم يكن أمامه إلا هذا الطريق.. الطريق الذي شعر أنه انتشله من الظلام إلى النور ومشاعر أحيت الكثير بداخلي، رغم نهايتها القاسية لكني لن أنكر تلك المشاعر الصادقة التي عشتها، ولن تتكرر مرة أخرى بل أزيد عليك: إن كنت أعلم أن هذه هي نهاية حبي لكنت اخترته؛ لأن ليس دائمًا المشاعر تُقاس بالنتائج، بل أحيانًا تُقاس بمدى الأثر الذي تركته فيك فبعض المشاعر تأتي وهي لا تعدك بالبقاء، بل لتُبيّن لك كيف تكون حين تحب بصدق!
يا الله يا إدموند.. كيف لك أن تصف مشاعري؟!! مررتُ ببشرٍ أثبتوا لي مدى حبي الصادق ومدى خذلانهم لي.. لكن ربما خذلوني، لكنهم لن يستطيعوا أن يغيّروا حقيقة شعوري الصادق.. ذلك الشعور الذي لم يعرفوه لحظة، ولا يملكون أن يفهموه أصلاً لكنني اختلف معك؛ إن خيروني بإعادة تلك المشاعر سأرفض لأن ألمها كان أكبر من أي شيء وطغى على كل جميل.. حتى أصبحت تلك الذكرى شيئًا لا يُحتمل! ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
الكونت مونت كريستو.. عندما يصبح الألم هويةً تقود إلى مصيرٍ واحد ونهايةٍ حتمية.
-قل لي أيها الكونت.. كيف استطعت أن تجعل ألبير دمية تحركها كلماتك؟ كيف يمضي خلف أوامرك بلا تردد، وكأن إرادته أصبحت مِلكًا لك؟
لقد أخطأت.. الدمية لا تفكر ولا تتردد ولا تتألم!! ألبير لم يكن دمية، ولم أكن سيّد خيوطه، بل كان قلبه هو سيّد خيوطه، لقد اختار بنفسه الطريق الذي لم يجد سواه، وكل ما فعلته أنني تركته يرى الحقيقة بعينيه. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-عندما كان ألبير يمدحك ويؤكد ثقته فيك ووقوفه إلى جانبك، ما الذي قصدته عندما قلت له: في يومٍ ما سأطرح عليك السؤال نفسه من جديد؟
ألبير فتى سادج صدّقني وصدّق الخطة التي كنت أستخدمه فيها دون أن يدرك الحقيقة، رغم أن الكثير من الإشارات كانت واضحة أمامه، لكنه أختار بإرادته أن يعمي بصره وبصيرته عنها. كلماته وثناؤه وثقته المطلقة كلها كانت مبنيةً على صورةً ناقصة، فهو لم يرى سوى القناع الذي ارتديته. تلك الصور التي صنعتها أمامة بعناية.. الرجل النبيل الهاديء ولم يعلم أن خلف هذا القناع وحشًا كاسرًا، وُلد من الألم والخيانة، واختبأ خلف مظهرٍ هادئ وابتسامةٍ باردة، وحشٌ لا تحركه غير غايةٍ واحدة كنت أعلم أن اليوم سيأتي.. اليوم الذي سيسقط فيه ذلك القناع، ويكتشف ألبيرالحقيقة التي كانت أمام عينيه طوال الوقت.
وقتها فقط كنت أريد أن أعيد عليه السؤال نفسه لأرى هل ستبقى ثقته كما هي؟ وهل سيظل يرى الشخص الذي أحبه واحترمه، أم سيدرك حقيقيتي المظلمة؟ ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-صف تلك اللحظة التي لامست فيها يد مرسيدس بعد كل هذه السنوات.. هل شعرت بقربها أم بثقل المسافة التي صنعتها الأيام؟
شعرت وكأن الماضي عاد للحظةٍ قصيرة.. كنت باردًا أمامها أحاول أن أُثبت لها أن إدموند قد مات، وأن ما هو أمامها الآن ليس سوى جسدٍ يحمل ملامحه لكن في أعماقي وبينما كنت أُظهر لها هذا الجمود، شعرت بشيءآخر.. شعرت بحنين يدي لدفء يديها، وكأن جزءًا من إدموند القديم ما زال حيًا في داخلي، يرفض أن يختفي تمامًا.. تمنيت في تلك اللحظة لو عاد إدموند إليّ، لو استطعت أنأنزع عن روحي رداء القسوة وأبادلها نفس المشاعر التي ما زالت تحملها لي، لكن الزمن كان قد حالَ بيننا وصنع مسافةً أكبر من تلك البوابة التي تفصل أيدينا. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-مالذي جعل إيدي تخترق ذلك الجدار الذي بنيته نحو قلبك؟
إيدي لم تكن مثل الجميع الذي طمع في مالي وثروتي ونفوذي. بل رأت الإنسان الذي كان داخلي.. رأت الانسان الحي الذي ظننت انه مات.. شعرت وكأن ذلك القناع الظلامي يتصدّع كلما تعلّق الأمر بها عانت وشهدت ما يكفيها من الألم، لم أكن أريد ان أزيد معاناتها، لم أرَ أنها تستحق إلا حياةً بعيدةً عن كل هذا الظلام.. لم تكن نقطة ضعف في طريقي للانتقام ولم اضعها ضمنه يومًا، لكن اظن أنها كانت الجزء الأخير المتبقي من انسانيتي. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-بعد كل تلك المعارك الضروس.. ما أصعب معركة واجهتها؟
أشدُّ معاركي لم تكن مع أعدائي، ولم تكن في ساحات القتال.. بل كانت تلك المعركة الصامتة التي خضتها في داخلي، تلك التي كاد صد صراعها أن يقتلني بين إدموند البريء الذي لا يزال يبحث عن الحب، ويتساءل بألم:لماذا حدث بي كل هذا؟ لماذا؟ فأنا لم أؤذِ أحدًا يومًا.. وبين الكونت الذي لم يعد يرى أمامه سوى طريق الانتقام، الانتقام الذي ظنّ أنه سيشفي غليله ويمحو جراح الماضي. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-هل نجحتَ في تدمير من حطّموا حياتك.. أم أن انتقامك التهمك قبل أن يصل إليهم؟
لن أخفيك سرًا.. لم يكن هدفي الأول من الانتقام قتلهم، بل كنت أريد إعدامهم معنويًا أن أدخلهم في عذابٍ نفسي لا مخرج منه، وأن يتجرّعوا آلامهم، ويصبحوا أسرى لخطاياهم،ويتيهوا في ظلام ماضيهم عاجزين عن الهروب من قبح ما اقترفوه حتى النهاية.
لكن يا لأسفي.. فقد التهمني الانتقام أنا الآخر، وكان ثمنه أن أفقد نفسي وأن أصبح أسيرًا للظلام الذي ظننت أنني أسيطر عليه. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-أبعدَ أن أتممت انتقامك.. هل وجدت معنى السعادة حقًا؟
ضاعت السعادة منذ اللحظة التي بدأت فيها التفكير بالانتقام.. يمنحك الانتقام لذةً مؤقتة، لكنه لا يمنح السعادة. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-هل كنت ترى نفسك بطل أم ضحية؟
كنت نتيجةً لألمٍ لم يعرفه أحدٌ غيري.. نتيجةً لظلمٍ لا يُغتفر، وخيانة لم تنضب آثارها، كنت النتيجة الحتمية لكل ما حدث معي.. طريقًا لم أختَره بل فُرض عليّ، وكأن الحياة قررت لستُ بطلاً.. ولستُ ضحية أنا شيءٌ على حافة الانهيار.. بل ما تبقّى من الانهيار نفسه! ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
- لو أُتيحت لك حياةٌ أخرى غير تلك التي عشتها.. ماذا كنت تتمنى أن تكون؟
لا تتفاجئي.. لو خُيّرت بين كل ما امتلكته وبين حياةٍ بسيطة لاخترت الابتعاد عن كل ذلك المال والنفوذ، وحتى لقب النبالة لم أكن لأسعى إليه. فماذا يفيدني قصرٌفخم أو سلطةٌ واسعة، وأنا أسير في طريقٍ مظلم لا ينتهي؟ وماذا تمنحني مكانةٌ بين النبلاء وأنا أحمل في داخلي كل هذا الألم؟!
كل ما أردته كان حياةً هادئة وبسيطة.. أن أعيش بسلام إلى جانب من أحببت.. مرسيدس كنت أتمنى فقط أن نمضي معًا نحو البحر، ونعيش معنى الحب الحقيقي ونحلم ونكوّن أسرةً طبيعية لكن أبسط الأحلام في نظر البعض كانت أبعد ما تكون عني.. فقد سُلبت مني على يد من حطموا حياتي، ثم أكملت أنا ما بدأوه حين سمحت للألم أن يلتهم ما تبقى مني.
في النهاية.. كانت مأساتي الحقيقية أنني فقدت ذلك الشاب الحالم الذي كنت عليه يومًا.. إدموند دانتيس. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
-كيف ترى نهايتك.. وهل هي عادلة؟
لن اقول عادلة ولكن سأقول أنها كانت النهاية التي لابد أن تكون، كنت اعلم انها ستأتي.. مشيتُ في هذا الطريق وصرتُ أفقد نفسي يومًا بعد يوم وأنا أنتظر نهايتي الحتمية؛ نهايةً لا مفرّ منها لم يكن هناك انهيار ولا صراخ ولا حتى محاولة أخيرة للتماسك.. نهايتي كان هادئة بشكل غريب، كأن كل شيء داخلي توقف عن المقاومة وصلتُ إلى يقينٍ مؤلم بأن هذا هو مصيري منذ البداية، وأن الطريق الذي سلكته سينتهي عند تلك الحقيقة الحتمية. في النهاية لا عدالة ولا ظلم.. بل نتيجة فقط نتيجةً ليس لها صوتٌ عالٍ، لكنها تُغلق كل شيء بصمتٍ بارد و ظلام قاتمٍ كبرودي وظلامي..
في ذلك اليوم عندما سمعت صوت مرسيديس لأول مرة بعد زمن طويل نظراتي لم تكن نحوها بل نحو زمن حملَ الكثير من الخيانة.. خيانة ثقيلة حين انكسرت الثقة وتحولت المشاعر الحقيقة إلى رماد.. كأن صوتها وحضورها كان إعلانًا بأن ثمار الخيانة قد نضجت وحان وقت قطافها. نظرة صامتة لكنها تحمل في طياتها الكثير، باب من الوجع لم يُغلق بعد..
وحين مدّ يده ذلك الرجل.. الرجل الذي يكفي مجرد سماع اسمه أن يثير في داخلي شعورًا بالقهر لم أرى يده إلا يد تحمل كل ظلمٍ لا يُغتفر، يدً لا تعرف معنى الألم كما عرفته أنا!! كانت يده تمتد بثقة، بينما بدت لي ملوّثة بتاريخٍ من الخيانة..
وحين جلسنا نتناول الغداء لم أكن آكل كعادتي، لكنني بدأت أتذوق الطعام حين تحدثت مرسيدس كأن صوتها أعاد ترتيب شيء ما بداخلي.. ومع أول لحظة تذوق عادت إليّ الذكريات ذكريات ربما ظننت أنني فقدتها، لكنها لم تغادرني يومًا ما زالت بداخلي.. فقط ربما كانت مختبئة في مكان ما وتحتاج أن أبحث عنها من جديد. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
عندما استخدمتُ ألبير وماكسيميليان كبيادق، كنتُ أحرّكهما كيفما أشاء دون أن أنطق بكلمة واحدة.. لم يكن هدفي التلاعب بهما، بل أردتُ أن أكشف حقيقة مفهوم الحب في نظرهما طرحتُ تساؤل عميق:هل يعرف الأرستقراطيون معنى الحب حقًا؟ أم أن روابطهم لا تقوم إلا على المصالح والمكانة والنفوذ؟ اندفع ألبير في دفاعه بكل ثقة عن والديه، ليؤكد أن حبهما حبٌّ مقدس لا تشوبه شائبة. لكن حين سأله ماكسيميليان ببساطة: هلتحبخطيبتكأوجيني؟ تردد في الإجابة، واكتفى بالقول: لاأدري وكأن هذا التردد وحده كافٍ ليكشف التناقض بين الصورة المثالية التي يؤمن بها عن الحب، وبين حقيقة مشاعره التيلم يستطع حتى هو أن يحسمها.. وهنا تكمن المفارقة.. كيف لمن كان قبل لحظات يتحدث عن قدسية الحب أن يعجز عن تأكيد مشاعره تجاه خطيبته؟ لقد جعلتهم يواجهون معتقداتهم عن الحب دون أن أفرض عليهم رأيي، واكتفيتُ بطرح السؤال المناسب، فأسقطألبيرحجتهبنفسه! ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
بذكاءٍ لا مثيل له، وجهتُ دعوة باسم “إدمونددانتيس“ دعوة إلى الرجال الثلاثة فيلفور، ودانجلار، والعقيدفرناند لم تكن دعوة عادية، بل كانت دعوة إلى جنازة.. جنازة من نوع آخر وصل الثلاثة إلى كنيسة مهجورة حيث كان موعد اللقاء، ليفاجأوا بظهور كادروس صديق قديم.. ويقول لهم: "لقد دُعيت مثلكم" تقدّم الجميع نحو النعش وكلّ منهم يظن أن داخله جثة إدموند دانتيس لكن عند فتحه كانت الصدمة الكبرى.. لم تكن الجثة لإدموند، بل للمحقق بوفيل الذي استأجره فلفيور للتجسس على الكونت
أدركوا أن الرجل الذي ظنّوا أنهم دفنوه منذ سنوات قد عاد ليحاصرهم بخطايا الماضي بداية الانهيار النفسي.. وبدأ عدّاد الانتقام. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
في ذلك اليوم.. في أشد مشاهد الحكاية قسوة كشفتُ لألبير الحقيقة التي أخفاها عن الجميع، أن والده العقيد فرناند هو من بنى مجده على الخيانة عندها أدرك ألبير أن لقائي به لم يكن مصادفة، لكن كانت صدمته مضاعفة فلم يخسر صورة والده فقط، بل اكتشف أيضًا أن الرجل الذي وثق به وأعجب به كان يخفي هدف آخر منذ البداية ومع ذلك لم أكره ألبير نفسه، بل استخدمته وسيلة لكشف الحقيقة التي أخفاها والده لسنوات طويلة ولهذا كان ذلك المشهد مؤلم إلى هذا الحد لأن ألبير كان بريء من ذنب أبيه،لكنه وجد نفسه يدفع ثمن ماضيه. انهار أمامي وبكى كطفل بعدما تحطمت صورة والده أمام عينيه وسقطت أيضًا الصورة المثالية التي كان يراها فيّ في تلك اللحظة امتزج الألم بالإهانة والحب بالخيانة فلم يجد أمامه سوى أن يرمي إليّ قفاز النبلاء، ليعلن تحديه لي في مبارزة ظنّ أنها ستعيد لعائلته شرفها وتعطيه فرصة للانتقام مني.. لكنه لم يكن يدرك أن تلك المواجهة كانت إحدى الخطوات التي رسمتها منذ بداية وأن كل ما حدث كان جزء من خطتي..
ملاحظة:كان رمي القفاز تقليد قديم بين نبلاء أوروبا، ومعناه: أتحداك إلى مبارزة لاسترداد الشرف. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
لحظة امتزج فيها شعور الحنين باليأس.. بين الاشتياق للماضي ومرارة الفقد، عاد صوت الذكريات ليصطدم بالحقيقة التي لا يمكن تغييرها، فقد عاد بعد فوات الأوان. حينما عبّرت لي مرسيدس عن اشتياقها إليّ، وبيننا جدار يفصل بين قلبين أنهكهما الزمن، لم أجد سوى أن أفتح جزء صغير من هذا الجدار لأخبرها بالحقيقة القاسية إن إدموند قد مات وأن هذا الجسد لا يحتفظ سوى بهيئته ومظهره، أما الرجل الذي أحببته يومًا فقد رحل إلى الأبد.
مددت يدي إليها لتشعر ببرودتها المزعجة وكأنها تلمس بقايا إنسان فقد روحه منذ زمن.. قلت لها: "سأريكِ دليلاً على أن إدموند، الرجل الذي أحببته يومًا، قد مات بالفعل" ثم وعدتها بوعدٍ أخير: "سأنتظرك عند الخامسة صباحًا غدًا في غابة بولوني"
وصلنا إلى الموعد المنتظر.. الموعد الذي وعدتُ فيه مرسيدس بأن أُريها بأم عينيها الدليل القاطع على إن ادموند قد مات بالفعل، ولم يبقَ الآن سوى الرجل الذي جرّد نفسه من كل المشاعر. في تلك اللحظة.. لم تعد مرسيدس ترى أمامها الكونت المنتقم، بل ظلت تستغيث بإدموند الذي عرفته يومًا، ظنًا منها انه لا يزال يسمعها. وفي الوقت نفسه كانت حرب ضروس بين الرجل الذي أحبته وبين ابنها الذي تحبه أكثر من نفسها، حرب مزّقت قلبها بين آلام الماضي وقسوة الحاضر.
لكن المشهد الذي حبس الأنفاس، وكان من أشد المشاهد الحزينة على الجهمور.. عندما يتفاجأ الكل بأن الشخص الموجود داخل الألية لم يكن ألبير، بل فرانز للتتحول الماسأة لصدمة غيّرت مجرى الأحداث رأسًا على عقب!! ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
دقّت ساعة القصاص.. حانت اللحظة المنتظرة حان الوقت ليتذوقوا مرارة الكأس نفسها التي سقوا بها الأبرياء.
بعد أن خسر دانجلار ثروته وصفقاته ومكانته، حاول الفرار معتقدًا أن المال سيمنحه النجاة. صعد إلى الطائرة مكبّلاً بالخوف، يحتضن حقيبته المليئة بالأموال وكأنها آخر أمل له. لكن صدمته الكبرى كانت حين وجدني أمامه.. أنا الذي ظن أنه أفلت مني إلى الأبد حاول إطلاق النار عليّ، لكنني كنت كالسد المنيع؛ لا رصاصة قادرة على هزيمتي ولا شيء يمكنه إيقافي. جعلته يعيش وهم السيطرة للحظة، ثم أدرك أن كل ما حوله فقد قيمته.. حتى الطائرة نفسها التي كان كل شيء فيها مصنوع من الذهب لم تعد تعني له شيئًا.. يا له من مسكين.. كيف سينفعه الذهب وهو يتجه إلى أقاصي الفضاء؟ سيحمل معه ثروته، لكنه لن يجد فيها أمامه إلا الظلام لا نجاة ولا حياة..
قضينا على الأول.. وحان وقت الثاني فيلفور؛ ذلك الرجل الذي انكشف أمام الجميع بعدما افتُضح ارتكابه لخيانةٍبشعة، وكُشف سره الذي أخفاه لسنوات، حين دفن ابنه حيًا لحظة ولادته ظنًا أنه تخلّص منه إلى الأبد. وفي ذروة لحظات الترقب وبين ذهول الحاضرين وانكشاف الفضائح، يظهر أندريا الابن الذي اعتقد فيلفور أنه مات. يقف أمامه حيًا يكشف الحقيقة كاملة أمام الجميع، ثم يتقدم نحوه ويسلّم عليه في مشهدٍ يحمل من السخرية بقدر ما يحمل من الألم، قبل أن يفاجئه بإبرةٍمسممة، فيسقط فيلفور داخل المحكمة أمام أنظار الجميع. ويدخل بعدها في حالة من الهلوسة بسبب تلك الإبرة لتكون في الحقيقة نعمة له أكثر من كونها عقاب؛ إذ أتلفت عقله وأرسلته إلى عالمٍ لن يستطيع فيه أحدٌ إدانته.. عالمٍ لا يملك فيه سوى الهروب من الحقيقة التي لاحقته حتى النهاية.
وتصل فصول الحكاية إلى نهايتها.. مع الانتقام الأعظم حان دور العقيد فرناند مورسيرف.
تبدأ بيني وبينه معركةٌ شرسة باستخدام الآليات، قبل أن تنهار المسافات بيننا.. وتتحول إلى مواجهةٍ وجهًا لوجه، حين يصمت السلاح.. ويتحدث الماضي بكل ألمه وحين تتدخل إيدي بكل براءةٍ لإيقاف هذا القتال، يستغل فرناند نقطة ضعفي ويهددني بها لكنني سرعان ما أجاريه فأهدده بابنه، فلا يجد أمامه سوى الخضوعوالتذلل بعدما أدرك أن زمام الأمور لم يعد بيده..
لكنني أصل إلى ذروة الخضوع الكامل لسيطرة جانكوتسو، فأفقد السيطرة على نفسي وأضغط الزناد على ألبير، ليتفاجأ الجميع بأن باتيستان يقف في وجهي ويتلقى الرصاصة!!
بعدها يتقدم ألبير نحوي ويواجهني محاولاً التقرب مني، حتى يحررني من سيطرة جانكوتسو وأعود إلى إدموند.. ولأول مرة يرون دموعي أمامهم، ثم أسقط طريح الأرض مثقلاً بكل الجراح التي أخفاها جانكوتسو بداخلي.. جراح الروح قبل الجسد!
لتنتهي رحلتي أخيرًا، وأغفوبسلام..بعدما انطفأت معاركي الداخلية، وهدأ ما كان ينهش روحي طويلاً..
الجانب الرمزي في جانكوتسو أن هذا الكائن أو القوة الذي ظهرت لإدموند رأيته يمثل كل شيء قد يأتي إلينا في الحياة على هيئة هدف نبيل أو شيء نريده بشدة،
فنراه في البداية كأنه طريق للخلاص أو لتحقيق غاية نبيلة، لكنه قد يتحوّل مع الوقت إلى شيء يفسدنا من الداخل إذا فقدنا السيطرة عليه فلا يجب أن نتخذ أهواءنا طريقًا يقودنا، لأن الفتنة ليست دائمًا ظاهرة في صورة الشر،بل قد تأتي أحيانًا على هيئة نعمة أو قوة أو شيء نرغب فيه بشدة.
وهنا نستشهد بقول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23] فلا يجب أن نجعل أهواءنا هي من تحكمنا،فالهوى يعمي البصيرة ويبعد الإنسان عن الطريق المستقيم. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
حين يتحول المال من وسيلة إلى غاية
حين يتحول المال من مجرد وسيلةٍ لتدبير شؤون الحياة إلى غايةٍ في حد ذاتها ينقلب السحر على الساحر..فيتحول الإنسان من سيدٍ يستعين بأداةٍ للعيش إلى عبدٍ يستعبده ما كان يظن أنه سيحرره.
نرى في مشهد الكونت أمام دنجلار داخل الطائرة أنه حتى في آخر لحظة من حياته لم يتغير وظل أسيرًا لطمعه وجشعه، فلم يرى غير المال الذي ظن أن قوته ومكانته مرتبطة به.. فالجشع طريق مظلم يقود صاحبه في النهاية إلى الهلاك، وقد تكون نهايته سوداء على يد الشيء الذي أفنى حياته في جمعه وفي النهاية اصبحت سبب سقوطه!!
وهذا يذكرنا بقول الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾[الهمزة 1:3]
فهي تصف حال من يجعل المال غايته، فينشغل بجمعه ويظن أنه سيُخلّد بها...
لكن الحقيقة الإنسان مهما امتلك من كنوز الدنيا يبقىضعيفًا أمام قدر الله. ▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
عندما يظن الإنسان أنه يملك ميزان العدل
في حكايتنا ظن الكونت أنه سيأخذ حق ليس للبشر وأنه قادر على أن يكون القاضي والمُنفذ في الوقت نفسه عندما حصل على قوته من جانكوتسو بدأ يرى نفسه كأنه تجاوز حدود البشر، وأنه أصبح قادر على تحقيق العدالة بيده ومعاقبة من ظلموه بنفسه
وهنا نرى أمامنا صورة واضحة لمعنى الاستكبار.. أن يشعر الإنسان بأنه يملك سلطة ليست له
فيتجاوز حدوده ويتجبر في الأرض وكأنه لا يوجد رادع لقوته.
والحقيقة أن مهما بلغت قوة الإنسان أو علمه أو قدرته فهو يبقىعبد لله فالإنسان لا يملك حق الحكم المطلق على الآخرين، ولا أن يجعل نفسه صاحب الحساب والعقاب لأن العدل الكامل لله وحده.
وكما قال الله عز وجل: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ۚ اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة:8] أي أن الله يحذرنا من أن يدفعنا بغضنا لشخص بسبب ما فعله بنا إلى الظلم أو تجاوز الحق
حتى لو كان الطرف الآخر ظالم فإن العدل لا يسقط والحق لا يستبدل بالانتقام.
وأشد وأقوى مثال على التجبر هو فرعون الذي ظن أن لا أحد أقوى منه وأن سلطانه لا يمكن أن يزول حتى وصل به الغرور إلى أن قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾[النازعات:24] وقال الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾[القصص: 4] فقد أغرته قوته وسلطانه، حتى نسي ضعفه كإنسان وظن أنه فوق الحساب. لكن في النهاية أين ذهبت تلك القوة؟ وأين ذهبت تلك العزة الزائفة؟
وهكذا تظل الحكايات عبر الزمن الواقعية أو حتى الخيالية،
تُذكرنا بأن من ينسى ضعفه أمام مالك الكون قد يخسر كل شيء حين يظن أنه امتلك كل شيء!!
وتم قص ملخص الحلقات ورفعها على اليوتيوب، يمكنكم الاطلاع عليه من هنا
ملاحظة: الحلقات بالياباني مترجمة بالعربية وتم تنقيح بعض المشاهد.. ") مع العلم هناك أمور مختلفة بالنسخة الأصلية، لأن سبيستون كانت تحافظ على طفولتنا xd فقد خففّت من وطأة قسوته وقدّمته لنا بصورةٍ أكثر براءةً مما كان عليه في الحقيقة.
رجاءً من هم دون 17 عام يكتفون بمشاهدة النسخة المدبلجة، وليس اليابانية لاحتوائها على مشاهد عنف نفسي وصراعات مظلمة لا تناسب الأطفال..
كشفت لنا الحكاية زيف طبقة النبلاء، حيث قد تختبئ أبشع الخيانات خلف أكثر الوجوه أناقةً! فليس كل من حمل لقب النبيل يملك نُبلًا في روحه، وليس كل من وُلد في مكانٍ بسيط يفتقر إلى الشرف فالنبل الحقيقي لا يُورث بالدم ولا يُولد مع الميلاد، بل يُثبت بالأفعال ومن هنا جاء الكونت ليكشف زيفهم ويُسقط أقنعتهم حيث جسّد مفهوم الإعدام المعنوي فلم يكن هدفه مجرد القضاء عليهم، بل جعلهم يعيشون عذابًا لا ينتهي ويتجرّعون من الكأس ذاته الذي سقوه له يومًا..
ولا تُقدّم حكاية الكونت الانتقام كطريقٍ للانتصار، بل تكشف لنا ثمنه؛ ذلك الثمن الأليمالذي يدفعه الإنسان حين يفقد جزءًا من ذاته في كل خطوة،
حتى يصل إلى لحظةٍ لا يعود فيها قادرًا على التعرّف إلى ملامحه القديمة..
فكان الكونتعالقًا بين القاضي والجلاد.. فلم يحقق معنى العدالة الحقيقية ولم يجد في الانتقام الخلاص المنشود ظلّ تائهًا بينهما وغير مدركٍ لحقيقة ما آل إليه بعد أن أصبح أسيرًا لألمه وجراحه..
وعلى النقيض لم يرتدِ قناع القسوة إلا دفاعًا عن نفسه حتى لا يقسط مرةً أخرى في الدوامة ذاتها التي حطّمت حياته خلف ذلك الوجه الباردكان يحمل بداخله حبًا لكنه أجبر نفسه على إخفاء هذا الجانب العاطفي وبنى حول قلبه جدارًا أقوى من الأسمنت والطين حتى لا يتجرّع مرارة الألم من جديد..
وفي الوقت نفسه لحظاتٌ نادرة في طريقه نحو الانتقام، يتصدّع فيها ذلك الجدار الذي بناه حول قلبه.. فتظهر دموعه لتعلن أن إدموند لم يمت تمامًا.
وتكمن قوة الحكاية فيما كان الكونتيفقده لحظةً بعد لحظة.. حتى انتهى به الطريق إلى فقداننفسه!!
فقد علّمتنا أن بعض الانتصارات قد تأتي محمّلةً بخسائر لا تُعوّض فالانتقام كان يسلبه جزءًا تلو الآخر من ذاته حتى أصبح غريبًا على نفسه..
فهل يُسمّى هذا انتصارًا حقًا؟ وأي انتصارٍ ذاك الذي تصل إليه وأنت تفقد روحك في نهاية الطريق؟ فهل يكفي أن ننتصر على من ظلمونا وجعلونا نتذوّق الألم؟ أم أن الانتصار الحقيقي هو أن نظل قادرين على العيش رغم تلك الجراح ؟ وأن نحمل ألمنا دون أن نسمح له بأن يغيّرنا إلى نسخةٍ لا نعرفها؟؟
فبين ألمٍ يريد أن يطفئ إنسانيتنا، وقوةٍ تدفعنا إلى الاستمرار تكمن أعظم معارك الإنسان..
أن يخرج من ألمه دون أن يفقد نفسه وإنسانيته و دون أن يتحول إلى نسخةٍ لا يعرفها..
▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪▪
وأختم فصول الحكاية بالرسالة التي تركهاإدموندلمرسيدس منذ سنوات طويلة والتي عثر عليها ألبير بعد مرور خمسسنوات خلف صورة والدته في المنزل القديم، بعدما انتهت الحكاية وهدأت العاصفة..
ومن بين الألم يأتي الجمال.. حين تكشف الرسالة أن حب إدموند لمرسيدسظل حيًّا رغم قسوة المصير، لكنه جاء متأخرًا بعدما فقد إدموند نفسه للأبد
مرحبًا بكم أحبتي، كيف حالكم؟ يارب تكونوا في أتم وأسعد حال ما كنت اتخيل أني بوصل أخيرًا لنهاية الموضوع الحمد لله بصراحة من أكتر المواضيع التي أخذت مني مجهود جامد، من متابعة الأنمي حلقةً حلقة وتفصيص كل مشهد والتحليل والكتابة والتنقيح والتقاط الصور فجميع الصور الموجودة في الموضوع من التقاطي.. غير المراجعة والتدقيق مليون مرة عارفة أني اخترت شخصية معقدة وثقيلة نفسيًا، لكن حاولت أقدمها بما يليق بها وآمل أن أكون قد وُفِّقت في نقل جوانبها بأفضل صورة ممكنة وطبعًا هذا الموضوع عن الأنمي فقط، لأن الرواية الأصلية فيها بعض الاختلافات عشان كده فضّلت ألا أدمج بينهما حتى لا يتشتت القاريء. أتمنى تستمتعوا بالقراءة وأن يترك الموضوع لديكم الأثر الذي تركته هذه الشخصية في نفسي وبكون سعيدة جدًا بقراءة آرائكم وانطباعاتكم ▪▪▪▪▪▪ كل الشكر والامتنان للبطل سيّد تمساح على المسابقة التحفة، من امتع المسابقات اللي شاركت فيها
فعلاً استمتعت جدًا بكل لحظة فيها.. تجربة جميلة دفعتني لأبذل أفضل ما عندي وشكر خاص لمستر هيرو على مساعدته الكبيرة لي في الرفع، وعلى ذوقه الراقي وأدبه الجم كونوا بخير دائمًا، ولا تسمحوا للحياة أن تُطفئ جمال أرواحكم أو تأخذ منكم ابتسامتكم ألقاكم على خير إن شاء الله.. دمتم في رعاية الله ▪▪▪▪▪▪ A N I M E - T O O O N @ MARKIZA HEND C R E A T I V E - T E A M
ماشاء الله عليكِ
الهيدر جميل جدا
وترتيبتك وتنسيقك اجمل بكثير
موضوع من أضخم مايكون
تفاصيل وانغمار عميق في شخصية
الكونت مونت كريستو
موضوع كبير جدا بكل مافيه
لا اعرف الشخصية ولم اتابع الانمي
لكن اخذت لمحة سابقة عنها
اشوف ان شخصية مرت
بكثير لحظات فارقة بحياتها
من المثير للاهتمام متابعة
التسلسل والاختلاف
جميل ان يكون هناك معنى وراء الشخصية
وان يكون هناك شيء يوضح انسانيتها
ودافعها وراء ماتفعله
موضوع كامل واعطيتِ كل مجهودك فيه
فعلا موضوع رووووعة Xرووووعة
جدا مذهل
كل شي كامل ومبهر في هذا الموضوع
انت فعلا اعطيتي كل تركيزك وتعبك
في هذا الموضوع
الموضوع خرج بأفضل نتيجة
فعلا مجهود خورررافي
يعطيك الف عافية
على الموضوع
بانتظار جديدك
دمتِ بخير
في امان الله